لنحكِ حكاية، بل هي ليست حكاية، بل تجربة عاشها ثلاثة أطفال في أيام دراستهم. كانوا يذهبون إلى البيت لتناول عصيدة الظهر، وغالبًا ما يتأخرون في العودة لأن كل واحد ينتظر الآخرين في الطريق، فيتأخرون عن المدرسة ويتعرضون لعقاب المعلم.
فقرروا حلًّا بسيطًا: أول من ينتهي من الطعام يضع ورقة شجر على جانب الطريق ويضع فوقها حجرًا. من يأتي بعده يضيف حجرًا آخر. فإذا مرّ أحدهم ولم يجد شيئًا، علم أن الآخرين لم يأتوا بعد. وإذا وجد حجرًا واحدًا، أدرك أن أحدهم قد سبقه. أما إذا وجد ورقة وفوقها حجران، عرف أن الجميع قد عاد وعليه أن يُسرع.
في ذلك الزمان، كان ذلك كافيًا للإيمان، بل كان يقينًا. فقد أثبت نجاحه في حياتهم خلال أربع أو خمس سنوات من التجربة.
لكن جاء من ينصحهم قائلًا: ما فعلتموه تصرّف أحمق، لأنه يفتقر إلى التحقق العلمي والتجريبي. كان عليكم أن تأخذوا الحجر إلى مركز أبحاث تابع لوكالة ناسا، والورقة إلى المختبر الوطني لفحص أوراق النباتات، وتُجرى الفحوصات فورًا... وهكذا توالت نصائحهم.
علينا أن نتأمل في معنى الإيمان، فظروفه تختلف باختلاف مواقف الحياة. حين نقول: "أنا أؤمن بما قلته"، فما الذي نعنيه؟
تخيّل أنك في مكتبك، وجاءك شخص مسرعًا يقول: "وقع تصادم بين سيارة وحافلة، ومات شخصان." هل تؤمن بها؟. او تندفع إلى المكان، وترى بعينك، وعندها تقول آمنت به. أليس في هذا شيء من التناقض؟
هل نقول إننا آمنا ما رأيناه بأعيننا؟ هل تقول: "رأيت تاج محل آمنت بوجوده"؟ أو "كنت في موقع الحادث، رأيت الجثث والجرحى، وآمنت"؟ طبعًا لا، لأن ما يُرى لا يحتاج إلى الإيمان والتصديق، بل هو يقين لا يُناقش.
حين تدخل البيت، تقول لك أمك: "يا بني، ألم تعلم؟ فلان توفي اليوم." فتشعر بالحزن فورًا، وتضع يدك على صدرك. لا تقول: "أمهليني خمس دقائق، سأذهب لأتأكد بنفسي، ثم أعود لأحزن كما يجب، وأضع يدي على صدري، رجاءً يا أمي." لا أحد يتصرف هكذا.
لأن من قال ذلك هي أمك، التي تعرفها منذ أربعين سنة، ولم تكذب عليك يومًا، ولا سمعت من أحد أنها فعلت.
ثم إن الخبر عن الموت، وهو لا يُشك فيه عادة، فصدّقته بمجرد سماعه. هذا هو الإيمان يا بُني، هذا هو الإيمان يا ابنتي، لا أن ترى بعينك ثم تقول: "الآن آمنت". حين يخبرك أحدهم أمرًا جادًا، وتقول: "دعني أرى أولًا ثم أصدق"، فأنت بذلك تستخف بكلامه وتنتقص من مكانته.
لكن ثمة أمرٌ لا بد من الانتباه إليه: لكي نؤمن ما يُقال، فإن صدق القائل ومكانته أمرٌ أساسي. تذكّروا قصة الفتاة التي خدعت أهل القرية مرّتين بصراخها: "الأسد قادم! الأسد قادم!"، فلمّا جاء الأسد في المرة الثالثة، لم يصدقها أحد، لأنها كذبت من قبل.
وفي حياتنا أيضًا، هناك من لا وزن لكلامهم. ما يقولونه لا نُصدّقه، ولا أحد يطلب منا ذلك، بل لا يجوز أن نُصدّقهم.
فما الذي تقوله إذًا؟ من نؤمن؟ وبماذا نؤمن؟
ليكن كذلك... فلتتفجر فينا رغبة المعرفة، ولنواصل النقاش بمزيد من التفصيل.



