في منتصف رحلة طويلة، إذا بك عالق لا مال معك، لا ثياب، لا حقيبة، كل شيء ضاع ولا سبيل لاسترجاعه، ولا يزال أمامك طريق طويل لتقطعه. تجلس حزينًا، منهكًا، يحيط بك الظلام من كل جانب، والتعب والجوع والعطش يثقلون كاهلك، فتغدو في قاع من الحزن واليأس.
وإذا برجل يقترب منك يحمل مصباحًا، يناديك باسمك بلطف، فيقول: "أأنت فلان؟" فتجيبه: "نعم، أنا هو." عندها يقول بهدوء: "تعالَ معي، فقد أُرسلتُ إليك اليوم من قِبَل شخص ما."
ولأنه لا خيار أمامك، تتبعه ممتثلًا، فيقودك بسيارته مباشرة إلى فندق فاخر في قلب المدينة، وقد حجز لك فيه غرفة واسعة تكفي أسرتين، يستقبلك بمودة ويصطحبك إلى الداخل، ثم يطلب منك بلطف أن تستحم وتستعيد نشاطك، وحين تفتح باب الحمّام، تندهش، كأنه مشهد من نعيم خفي، نظافة ورقي وأناقة تبعث في النفس راحة وسكينة.!
تصل إليك ملابس جديدة، وعطور فاخرة تختار منها ما تشاء. ثم تُقاد إلى صالة الطعام، فتدهشك وفرة الأصناف وروعتها، كل ما تشتهي أمامك بلا حدود.
يُقال لك: ارتح جيدًا. هذا ماء ساخن، وذاك بارد، وهنا شايٌ، وهناك مكسرات وفواكه مجففة للضيافة. الخادم في الخارج بانتظارك، اطلب منه ما تحتاج. وهذا سائقك، والسيارتان جاهزتان، واحدة كبيرة وأخرى صغيرة، تتنقل بهما حيث تشاء ومتى تشاء. لك أن تقيم هنا أسبوعًا، ثم تواصل رحلتك، فالعمل معدّ مسبقًا، والسفر منظّم، وهذا الظرف فيه مال يكفيك، خذ منه حاجتك.
ألا تحب أن تعرف هذا الذي يعرفك جيدًا رغم أنك لا تعرفه؟ ذاك الذي رتّب كل ما تحتاجه دون أن تطلب، وهيّأ لك ما يسعدك، وأنفق بسخاء من أجلك؟ إنه هو الله عزّ وجل!
هو من خلقك في أجمل هيئة، وأخرجك إلى الدنيا كامل الجسد، سليم البدن. وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله: "أحسن تقويم"، أي في أبهى وأتمّ صورة. فـ"الحسن" هو الجمال، و"أحسن" أقصى درجاته. خلقك بتناسق دقيق.
ولرؤية هذا الجمال، كان ليوناردو دافنشي يخرج الجثث سرًا ليتأمل أعضاءها، كما ورد في "شيفرة دافنشي".
أما شكسبير، فقد قال مذهولًا من الإنسان: "يا له من عمل رائع هو الإنسان!"
وقد بيّن الله تعالى في القرآن أنه كرّم الإنسان، وسخّر له ما في البرّ والبحر، وجعله مفضّلًا على كثيرٍ من خلقه تفضيلًا. فالإنسان كان في الجنة، ثم دُعي إلى الأرض ضيفًا مكرّمًا، وأُحسن استقباله بأبهى مظاهر العناية والرعاية. فكل ما حوله مُعدّ بتدبير محكم: سماء مرفوعة، وأرض ممهدة، وماء عذب، وهواء نقي، وأرزاق متنوعة. لم يكن الاستقبال مجرد غرفة وماء ساخن وبارد وإمكانات محدودة، بل هو تكريم شامل يملأ الأرض والكون،
الإنسان البالغ، مهما اشتدت به الحياة، يستطيع أن يسعى ويأكل مما تيسّر له من طعام، سواء من زرع الأرض أو صيد البحر أو غيره، فيحفظ بذلك بقاءه ويواصل دربه. ولكن تأمّل حال ذاك المولود الجديد، الخارج لتوّه من ظلمات الرحم إلى نور الدنيا، لا يعرف كلامًا ولا حركة، لا يدرك ما هو الطعام، ولا يستطيع المضغ أو الهضم كالكبار. لا يملك قوة للطلب، ولا وسيلة للتعبير، ولا عقلًا ليدبّر أمر نفسه. ومع ذلك، تجد صدر أمّه قد امتلأ حليبًا دافئًا شهيًّا، يحمل كل ما يحتاجه جسده الغض من غذاء ودفء وطمأنينة.
أي عناية هذه! وأي رحمة تلك! أفيُقال بعد هذا كله إن هذا النظام الدقيق المحكم مجرد صدفة؟ وأن الحليب ظهر عشوائيًّا، دون تصميم أو تدبير؟ كيف لعاقل أن يقتنع أن هذا التناغم المتكامل ما هو إلا نتاج تطوّر أعمى؟!
لكي تدرك عِظَم المكانة التي منحها الله للإنسان، يكفي أن تقارن بينه وبين سائر المخلوقات. فالإنسان يقف منتصبًا، شامخ الرأس، مفتوح الصدر، لا هو ضخم الجسد كالفيل، ولا حقير الشأن كالحشرة، بل خُلق بتوازنٍ واعتدال. بينما تزحف بعض الكائنات على الأرض في ذل، وتُجرّ أجسادها على التراب، وتمشي الحيوانات الأخرى برؤوس منحنية، يبقى الإنسان مرفوع الرأس، مكرّم الهيئة، مميزًا بالعقل والتفكير.
لقد سخّر الله له ما في السموات وما في الأرض، وأخضع له البر والبحر والجبال والمخلوقات. فالدببة والخنازير لا تعرف الصيد، والأسماك الكبيرة لا تحتاج ما يشتهيه الإنسان من طعام، بل حتى الكائنات البحرية العملاقة، التي تسبح في أعماق المحيطات، لا تدري عن الغابات البعيدة أو ما فيها من وحوش. وحده الإنسان مَن أوتي الفهم والمعرفة، وسُمح له أن يستكشف الأرض والبحر والسماء.
يملك هو القدرة على الاستفادة من البر والبحر على حدّ سواء، فكلٌّ منهما مسخّر له. ففي مائدة الضيافة، قد يُقدَّم له في طبقٍ لحمٌ مطهو كالبقرة، وبجانبه طبق يحتوي على سمكٍ متبّل من أعماق البحر. وقد أعدّ الله له كل ما يحتاجه قبل أن يُستقدَم إلى هذه الحياة ضيفًا.
تأمّل أنواع الفاكهة المتنوعة من حولك، كيف تختلف في طعمها، ورائحتها، وألوانها، وأشكالها. هل يشبه الموز التفاح؟ أو البرتقال الليتشي؟ أو العنب السبّوتا؟ أو الرامبوتان الجاك فروت؟ أو التوت الأسود القشطة؟.
فكر في هذا التنوع البديع! نحن نقول ببساطة "مانجو"، لكنها وحدها تضم أكثر من 260 نوعًا، وكذلك الموز والتمر، كم من الأصناف المتنوعة لهما؟ من الذي أوجد كل هذه الأنواع؟ من الذي صمّمها؟ من الذي منحها ألوانها الزاهية وطعمها الفريد؟
وأدرك كم هي كثيرة أنواع الخضروات، وكم لا تُحصى أصناف الأسماك، وكم من الأزهار التي تسرّ العين برونقها وتنعش الأنف بعطرها. انظر إلى الأنهار والغابات والمطر والضباب والجبال والبحار، كلها وُجدت لتكون في استقبال الإنسان كضيف مكرَّم. فهل هناك مضيف أكرم من الله؟.
لكن ثمّة أمر لا بد من التوقف عنده: بعد أن هيّأ لك كل هذه النعم، وأكرمك بأرفع مراتب الضيافة، وأحاطك بكل ما يسعدك، أفلا يجدر بك أن تتساءل عن ذلك الذي يراقبك من بعيد، ويحبك حبًا عظيمًا، ويغدق عليك من رحمته؟ أليس من الواجب أن تُبدي تجاهه شيئًا من الامتنان والوعي؟.



