فانتبه أولًا: فإن طُرحت الأسئلة بلطف، جاء الجواب بلطف، وإن طُرحت بحدّة، جاء الرد أشد حدّة.
ها أنت الآن... بدلًا من أن تحاول تقبّل حقيقة أن الخالق صاحب السيادة المطلقة يفعل ما يشاء، تراك تتجرأ في التعدي على سلطانه، وتُسرف في التساؤل عنه بتعالٍ واستكبار. فدعني أقولها لك صراحة: هو يفعل ما يشاء، وفقًا لمشيئته وحده. فإن كنت تظن أنك قادر على إحداث تغيير في حكمه أو تدبيره، فجرّب إن استطعت... إنها تحدٍّ لن تقدر عليه.
إنه هو الذي يُطلع الشمس من المشرق، فلا تسأل بعناد: "لماذا هكذا؟ وماذا لو كان غير ذلك؟"، فإن كنت تملك القدرة، فاجعلها تشرق من المغرب غدًا. اجمع ما شئت من علماء الفلك والتقنية والعلوم.
أيضا هو الذي أخرج الحليب من البقرة، والبيض من الدجاجة، والماء من جوز الهند، والمانجو من الشجرة، وقد فعل ذلك بتفرّدٍ مطلق، دون مشورة أحد. فإن لم تُعجبك طريقته، فغيّر النظام إن استطعت: اجعل البيض يخرج من البطيخ، والرز من المورينغا، والحليب من الدجاجة! أما الشمس فلها ضوء ساطع، والقمر نوره رقيق، فبدّل إن قدرت: اجعل للشمس ضوءًا أخضر، وللقمر ضوءًا أزرق.
تدور الكواكب بنظام دقيق، يتبع بعضها بعضًا في مسارات ثابتة، فلو كنت تملك القدرة، فأوقف هذا الدوران، واجعلها تسكن في أماكنها! القارات تفرّقت، يفصلها البحر ويقسّمها البر، فاجمعها في أرض واحدة، وافصل بين البر والماء كما تشاء! أما هذا البحر الواسع، فلماذا هذا الاتساع؟ إن كنت ترى فيه مبالغة، فاضغطه إلى الربع، وجعل المساحة الباقية برا تعمّ به الفائدة! لكن تذكّر: الادّعاء سهل... الكلام المتكبر وحده لا يكفي، فلا بد من قوة تثبته بالفعل.
هل تقدر أن تغيّر شيئًا من النظام القائم؟! الزمان يتساقط كما تتساقط قطرات الماء، فإن كان لك قدرة فأمسكه! لسنا بحاجة إلى دوران الشمس، نكتفي بصباح دائم منعش، ولا حاجة لنا بحرارة الظهيرة، وإن أردت فاجعل لنا مساءً قصيرًا، فذلك يكفينا. هل من قدرتك هذا..؟
دع الأرض والشمس والكواكب جانبًا، أليس الأولى بك – وأنت تجهل أبسط شؤونك – أن تمنع تدخّل الآخرين في حياتك؟ لقد جئت إلى هذا العالم دون إذنك، فلم تحتجّ أو ترفض، ولم تُسأل عن رغبتك. لماذا لم تعارض وأنت في الرحم؟ ولماذا لم تختر طريقك عند ولادتك؟ لقد كنت نطفة، ثم مضغة، ثم علقة، ثم طفلًا لا حول لك ولا قوة، تتحرك بإرادة غيرك، وتُقاد حيث لا تدري. فهل تراك تملك من أمرك شيئًا حتى تعترض اليوم؟
ما يقوله الله تعالى هو: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، فهل لأحد أن يعترض؟
وقوله سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، فليس لأحدٍ أن يُحاسبه، بل هو من يُحاسبهم.
هذه هي اللغة… نردد مثل هذا الكلام بين الحين والآخر. ومهما فعلتم، تذكّروا أن الرجوع في النهاية إلينا، وهذه حقيقة لا يُستهان بها.
أيعقل أن نولد بسطاء، ونحيا كمتمرّدين، ثم نموت كما تموت البهائم؟! أما لنا حقّ على أجسادنا، على هويتنا، على وجودنا حين يأتينا الموت؟ هل نملك قدرة على الاعتراض، أو حيلة للفرار؟ أليس من الجدير بنا، في لحظة الموت، أن نرتقي فوقه، ونواجهه بثبات قائلين: "إن كنتم تملكون الشجاعة… فاقتلونا"؟
صديقي، نعلم القليل ونجهل الكثير، كما قال الله تعالى: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت." ألسنا نرى من يخرجون مثلنا صباحًا، ثم يعودون مساءً جثثًا هامدة؟ فمن نحن نعترض؟ وأي حق لنا في تحدّيه؟.



