ما جدوى الحديث عمّا مضى؟ لقد ولّى وانقضى، ولن يُستعاد. فالسؤال الحقيقي هو: هل ثمّة ما يمكننا فعله اليوم؟ إن كان الجواب نعم، فلنتأمله بصدق.
أليس من الحكمة أن ننظر، في عصرنا الراهن، هل توجد دعوى نبوية كهذه؟ وإذا كانت موجودة، فكيف يمكننا اختبارها في ضوء ما نملك من أدوات علمية وأدبية وتقنية حديثة؟. محمد ﷺ، المولود بمكة عام 571م، أعلن أنه يتلقى وحيًا من عند الله، وأن ما يحمله من رسالة هو هداية خالدة للناس كافة، وأن الدليل على صدقه كتابٌ إلهي لا يقدر أحد على الإتيان بمثله، مهما اجتمع الخلق وتعاونوا.
إن هذا التحدي، الذي أُطلق قبل أربعة عشر قرنًا، لا يزال مرفوعًا إلى هذا اليوم. وبما أنه موجهٌ لكل إنسان في كل زمان، فإن النظر فيه لا يُعد خيارًا نافعًا فحسب، بل ضرورة.
لم يكن التحدي الذي وجّهه النبي ﷺ إلى العالم قائمًا على خُدعٍ أو سحرٍ أو تمويه، بل كان تحدّيًا قائمًا على الأدب الخالص الذي يستميل القلوب ويوقظ العقول. فقد أعلن ﷺ أن ما يبلّغه من رسائل ليس من بنات أفكاره، بل هو وحيٌ إلهي غيبي، وجعل الدليل على ذلك هذا الكتاب الذي بين أيدينا، الذي سلّمه للعالم بوصفه شهادة خالدة.
إنه كتاب تنساب منه عذوبة البيان وروعة المعنى، ومع ذلك فهو معروض للنقد والفحص بأدقّ أدوات التحليل الأدبي، كأنّه وُضع تحت عدسة ناقد بصير. ومن يشكّك في صدقه، فليأتِ بمثله. فليجتمع لذلك أهل الأرض جميعًا، وإن استطاع أن يستعين بقوى غيبية أو بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، فليفعل. التحدّي مفتوح، والدعوة قائمة، منذ أربعة عشر قرنًا… هكذا يأتي شأن التحدي.
ينبغي التنبه إلى نقطة جوهرية هنا: لم يبدأ النبي محمد ﷺ دعوته ممسكًا بكتاب يُدعى "القرآن"، معلنًا منذ اللحظة الأولى أنه عمل أدبي لا يُضاهى، ومتحديًا الآخرين بأن يأتوا بمثله. لم تكن الدعوة على هذا النحو، بل انطلقت بمواجهة مظالم المجتمع وانحرافاته، ومحاربة الاستغلال، وبذر قيم الخير، ونشر مبادئ الأخلاق. وكما هو متوقع في كل مجتمع، برزت أصوات المعارضة حين مسّت الدعوة مصالح المتنفذين.
أما القرآن، فلم ينزل دفعة واحدة، بل تنزّل على مدار 23 عامًا استجابة لمناسبات مختلفة. ورغم هذا، فإن آياته منذ اللحظات الأولى أبهرت المستمعين بعمقها، وفصاحتها، وجمال إيقاعها، حتى إنّ من كان من أشدّ خصوم الإسلام رقّ قلبه وانقاد إليه، متأثرًا بعذوبة هذا الكلام وقوة بيانه.
حتى بيْن خصوم الإسلام، تُروى في كتب التاريخ مشاهد مدهشة؛ فقد كان بعضهم يتسلل خفية ليستمع إلى تلاوة القرآن، رغم عداوتهم المعلنة له. وخشيةً من تأثيره، كان أهل مكة يمنعون القادمين من الخارج من الإصغاء إليه، بل كانوا يحاولون "تحصينهم" ضد أثره بتحذيرات مسبقة. ومع كل ذلك، ظل كثير منهم يعتنقون الإسلام عند سماعهم له.
بل الأعجب، أن بعض من أوكلت إليهم مهمة التفاوض مع النبي ﷺ لوقف دعوته، كانوا هم أنفسهم إذا سمعوا القرآن تغيّر موقفهم أو دخلوا في الإسلام. ومن الأمثلة البارزة على ذلك: الأديب البليغ جبير بن مطعم، وعتبة بن ربيعة، وكلاهما كان من وجهاء قريش وأعلامها في البيان.
ومن الطرائف المؤثرة في هذا السياق ما وقع للكبير الوليد بن المغيرة، حين جاء متوسّطًا في أمر الدعوة، فاستمع إلى القرآن وتأثّر به تأثّرًا بالغًا، حتى خرج من مجلسه يثني عليه ويشيد ببلاغته وروعة بيانه. فلما سمع قومه بذلك اضطربوا، وجاؤوه محذّرين: "أنت زعيمنا، والناس يتجهون إلى محمد، فإن لم تُظهر موقفًا مضادًا، فلن نتمكّن من صدّه." وإزاء هذا الضغط، وتحت وطأة الحفاظ على مكانته، اضطر إلى التظاهر بالعداء للقرآن فقال: "إنْ هو إلا سحرٌ يؤثر." عندها نزل في شأنه وحيٌ من القرآن يفضح نفاقه ويُعلن أنه لن يؤمن أبدًا، رغم أن كثيرًا من أعداء الإسلام الأوائل أسلموا فيما بعد، إما في فترات مختلفة، أو على الأقل بعد فتح مكة، إلا أن الوليد لم يكن له هذا النصيب.
المقصود هنا أنّ الوليد بن المغيرة، لو كان جادًّا في إثبات بطلان القرآن، لادّعى الإسلام شكليًّا كي يشكّك الناس فيه ويضعف أثره، لكنه لم يجرؤ حتى على ذلك. وكذلك أبو لهب، مع أنه نزل فيه قرآن يقطع بعدم إيمانه، ما حاول أبدًا أن يتظاهر بخلافه، مع أن مجرّد تمثيل الإسلام كان كافيًا للطعن في مصداقية النص، وهذا يُظهر جانبًا خارقًا من جوانب القرآن.
والسؤال الآن: كيف يمكن، في زماننا، تحليل المضمون القرآني وبلاغته لنصل إلى نتيجة منصفة بشأن كونه كتابًا لا يصدر إلا عن مصدر غير بشري؟ إنها مهمّة دقيقة ومعقّدة.
وهنا تبدأ رحلتنا.



