قد يتساءل بعض الناس: ما الحاجة إلى الإيمان، والحياة بعد الموت، والآخرة؟ أليس من الأفضل أن نعيش بهدوء ثم نرحل بصمت دون أن يشعر بنا أحد؟
هذا خلل في التفكير ناتج عن نظرة سطحية للحياة.
لكن لو تأمل الإنسان جوانب الحياة بعمق واتساع، لأدرك أن الحقيقة على العكس تمامًا.
إنه كطالب التحق بالجامعة ثم تساءل: ما الحاجة إلى الامتحانات، والفصول، والشهادات، أليس من الأفضل أن نخرج جميعًا دون دراسة ولا عناء؟
في الحقيقة، ما حال هذا العالم؟ يولد بعض الناس في نعيم الغنى، ويحيون في سعة ورفاهية وهناء، بينما يولد آخرون في قاع الفقر، تتقاذفهم أحزان الحياة وآلامها. بعضهم يتلألأ جمالًا وكأنهم من ذهب، وآخرون وجوههم مشوهة إلى أقصى حد. يتسابق الناس لمدح الأول، ويحاولون جاهدين صرف أنظارهم عن الثاني. منهم من يعيش بجسد قوي صلب، وآخرون يذوبون ألمًا مع الشلل، والسرطان، والقرحة، والأورام... بعضهم مكتمل الأعضاء، وآخرون حُرموا من العينين أو الأذنين أو اليدين أو الرجلين. ألا ترى أولئك الذين يزحفون في طرقات الأسواق، وسط الأوحال والقمامة؟ لم يفعلوا ذنبًا ليكونوا هكذا.
رأينا من يعيش في سعادة تامة، الحظ يحالفه في كل يوم، يصعد درجات النجاح بهدوء، ويحيى في راحة ورغد، حتى إن البعض قد يشعر بالغيرة منه. وفي المقابل، هناك من وُلد في الشقاء، مهما اجتهد لا يستطيع الخروج من معاناته. الحوادث، الموت، الأمراض، الديون، الهموم، والمصائب تطاردهم بلا توقف. يتمنون يومًا واحدًا من الراحة، لكن لا يقدرون عليه. وإذا لمحوا لحظة أمل، سرعان ما تنقضّ عليهم أخبار الحزن من جديد. فما الذنب الذي ارتكبوه؟ وأين التعويض عن هذه الآلام المبرّحة؟ من أي بلدية؟ ومن أي حكومة؟
صديقي هناك ينعم بحياة جميلة حلوة، بينما أنا هنا أرقد أتجرّع مرارات شديدة... أكلُّ حياتي ستنقضي في هذا العذاب؟ لو أن الساعة التي اشتريتها لم تعمل، لاستبدلتها بأخرى، ولو أن خادمي لم يُحسن الطهو، لأحضرت غيره، ولكن ماذا عن حياتي هذه؟ حياة يختلط فيها الدم بالعرق، والدموع بالزفرات، والحزن باليأس، حتى تجمّد فيها كل شيء. إن ذُبت تحت هذا الثقل، فمتى أحظى بفرصة أعيش فيها كما يعيش صديقي؟ ما الذنب الذي ارتكبته لأستحق كل هذا؟ وما الخير الذي فعله صديقي ليستحق تلك النعم؟ ألسنا وُلدنا في الشهر نفسه، وتعلّمنا في المدرسة نفسها، وكبرنا معًا؟ فلمن أُسرّ هذه الأسئلة المؤلمة التي لا جواب لها؟
ما أفظع الجرائم التي تُرتكب في هذا العالم! هل هناك يوم لا تحمل فيه الصحف خبر جريمة قتل؟ أليس من الناس من يذبح فتاة من أجل قطعة ذهب؟ هل هذا هو العدل؟ أن يُظلم البريء ويهنأ الجاني؟ أليست الحروب قائمة منذ القِدَم؟ كم من آلاف البشر قُتلوا لحماية مصالح الحكام؟ هل يستطيع من دمّر حياتهم أن يقدّم لهم تعويضًا؟ أليس في التاريخ ملوك ندموا حين رأوا جثث جنودهم؟ ولكن، ماذا استطاعوا أن يفعلوا بعد ذلك الندم؟ هل استطاعوا أن يردوا إليهم الحياة؟
تخيل أن شخصًا في قريتك مجرم بلا قلب، يجد متعة في القتل. لقد قتل أحد أفراد أسرتك لأمر تافه، كما ذبح أكثر من عشرة أشخاص من نحو عشر عائلات في قريتكم. أنتم تعانون منذ سنوات من ألم لا يُحتمل، وتشتعل في داخلكم رغبة بالانتقام، بأن تمسكوا به جميعًا، وتضربوه حتى الموت، وتجرّوه في الطرقات، وتحرقوه، بل حتى تغلوا لحمه. لكنه محمي من السلطات، ويعيش تحت ظل أصحاب النفوذ. الآن، وبعد تبدّل السلطة، أصبح بين أيديكم. فإذا قام أحدكم بقتله، فقد انتهى أمره، فمَن سيقتله بعد ذلك من التسعة الآخرين؟ وهل يمكن قتل جثة مرة أخرى؟ وإن قتلتموه جميعًا، فهل تعتبر جريمة واحدة مقابل عشر جرائم عدالة؟
رجل سرق مليون روبية، ثم أعاد مئة ألف، هل هذا يُسمى عدالة؟
أليست هناك عشر أرامل وخمسون يتيمًا بسببه؟ فهل إذا أضفتم إليهم أرملةً أخرى وخمسة أيتامٍ جدد يكون ذلك كافيًا؟
وإلا، فهل يعني هذا أنه لا وجود للعدالة؟
إذا كانت أبسط أشكال العدالة غير قابلة للتحقيق في هذا العالم الأصم، فلماذا خُلق بهذا الإتقان؟!
هل صُمّم هذا الكون بكل تفاصيله الدقيقة، وتنوع البشر فيه من حيث الدم والرائحة والشكل، من أجل عالم مليء بالفوضى والظلم؟
ما هو السر الداخلي لكل هذا؟
تأمّل بعقلك الحر وبصيرةٍ نافذة فيما تكشفه الحقائق.
أولًا، لا يُعقل أن يكون هذا الكون المُتقن والمنظَّم والبديع قد وُجد من العدم، ويستمرّ قائمًا بذاته دون تدبير. فحتى نموذج الكرة الأرضية البسيط لا يمكن أن يظهر من تلقاء نفسه. لم نسمع قط أن قبة سماوية نشأت وحدها في أي بلد وتعمل دائمًا دون إشراف؛ فكيف نُصدّق أن هذا الكون المُعقّد والعجيب قد خرج من العدم إلى الوجود صدفةً، ويعمل بلا خلل أو اضطراب؟
ثانيًا، حين نتأمل الحياة وما فيها من ظلمٍ واعتداءٍ وغيابٍ للعدالة، ومن يرحلون من هذه الدنيا دون محاسبة، نشعر بالغليان.
أناس عاشوا بسلامٍ دون أن يؤذوا حتى نملة، ولم تمتد أيديهم إلى ما لا يملكونه، بل عاشوا بالعفة والصفح.
وفي المقابل، آخرون سرقوا، وقتلوا، واعتدوا، وتمتعوا بالحياة دون رادع، ثم مات الجميع بالنهاية نفسها بلا مقابلة.
فهل يعقل أن يكون هذا النظام الدقيق قد صُمّم ليُقام عليه هذا المسرح العشوائي المليء بالتناقض؟!
نظام في غاية الانضباط والدقة والجمال، لكن من أجل واقعٍ مليء بالظلم والعبث؟!
ألا ترى أن في ذلك ما يُناقض أبسط مبادئ المنطق والعقل؟
في الحروب والاضطرابات يُقتل عدد لا يُحصى من الأبرياء بوحشية. مئات الآلاف من الأطفال الرضّع، الذين لم يرتكبوا أي ذنب، يُفحمون في انفجارات شيطانية تحرق حتى الحديد.
فكّر مليًا بين هذين الرأيين:
"ليستمر الأمر كما هو"،
أم
"يجب أن ينال كل فرد جزاءه العادل ونتيجة أعماله".
بعد تفكير نزيه، إلى أي جانب يقف ضميرك؟
تأمل شركة ذات بنية قوية، ومكاتب فاخرة، وتجهيزات عالية المستوى. الأمن والفحص فيها دقيقان.
لكن في الداخل تسود التناقضات.
بعض الموظفين يأتون في الموعد، يؤدون عملهم بإخلاص، ويحفظون ممتلكات المؤسسة.
لكن هناك من يدخل كما يشاء، يخدع، يزوّر، يسيء للزملاء، يسرق أموال المؤسسة بتقارير كاذبة، ويستخدم الممتلكات العامة لأغراضه الخاصة، بل ويدمّرها أحيانًا دون سبب.
تخيل أنك أحد الموظفين المخلصين. تقدّم خدماتك بإخلاص تام، دون أي خداع، بقلب صافٍ، ولا تحصل في نهاية الشهر على أي مكافأة.
تأتي، تعمل، وتغادر فقط!
وفي المقابل، زملاؤك الذين يسيئون إليك ويسرقون أمام عينيك، ويزوّرون الحسابات لنهب الأموال، لا يتلقون أي تعليق أو عقوبة من الإدارة.
ما هذا التناقض؟
هل هذا هو الصواب؟
أن يُحرم الإخلاص من المكافأة، وتُترك الخيانة بلا عقوبة؟
هل يقول عقلك إن هذا عدل؟
أم أن كل إنسان يجب أن يُجازى بما قدّم؟
اطلب حكمًا نزيهًا بعقلٍ مفتوح دون أي تحيّز. أليس هذا حال العالم تقريبًا؟ هنا، من بين ملايين البشر، قلّة قليلة تعيش بقلوب طاهرة ونوايا صافية. لا يقولون باطلًا، ولا ينظرون لما لا يليق، ولا يسمعون ما يؤذي، ولا يفعلون شرًا. لم يتسبّب وجودهم في هذه الدنيا في ألمٍ لأي إنسان أو حيوان أو نبات. حتى وهم يمشون، لم يدوسوا الأرض بقسوة. على العكس، قدّموا خدمات جليلة للمجتمع ولسائر الكائنات. ساعدوا المرضى والمحتاجين بسخاء. كثيرًا ما ضحّوا بأمانيهم واحتياجاتهم من أجل غيرهم. لكن لم يرهم أحد، ولم يعرفهم أحد، ولم يُسجَّل شيء، ولهذا لم ينالوا أي مكافأة.
وفي المقابل، هناك آخرون وجودهم نفسه لعنة على المجتمع. لا يفكّرون إلا في الشر. يبتزّون الضعفاء بلا رحمة، وينتهكون أعراض النساء، ويعذّبون الحيوانات للمتعة. حتى والديهم لم يسلموا من قسوتهم. لفّقوا القضايا وزجّوا بأبرياء في السجون. بسببهم صارت نساء كثيرات أرامل، وأطفال كثيرون تيتموا. ومع ذلك، لا ينالهم ضرر ولا عقاب. يعيشون في غرف خمس نجوم، يلهون بين صدور النساء، ويتنقّلون في سيارات فارهة مكيّفة. ألا يبدو هذا كله ظلمًا وعبثًا حين نفكّر فيه بعقولنا البسيطة؟
مرت سنوات طويلة منذ أن بدأت الحضارة الإنسانية، وعبر كل تلك العصور عاش الأقوياء وماتوا، وتعرّض كثير من الأبرياء للظلم والعذاب، بينما عاش الظالمون في راحة وسعادة. ولو رجعنا إلى الماضي، سنسمع صرخات الضعفاء الذين لم يحصلوا على حقهم، وسنسمع ضحكات الظالمين وكأنهم انتصروا.
هل سيعود أولئك المظلومون يومًا؟ وهل سيُحاسَب كل إنسان على أفعاله، ويأخذ كل واحد ما يستحقه بالعدل؟ ألا تشعر في داخلك أنه من المفروض أن يكون هناك عدل حقيقي؟ ألا يتمنى قلبك ذلك؟
الذي يُرعبنا هو أن هذا الكون، المُنظَّم علميًّا، لا يشهد تقييمًا ولا حُكمًا. إنه كمدرسة: فيها تعليم، وصفوف، وكتب، وحتى امتحانات بالاسم فقط. لكن لا تقييم، لا نجاح أو فشل، لا قوائم درجات أو شهادات. من درس وسهر، ومن نام وتكاسل، كلاهما سواء.
هذا الكون وهذه الحياة، من وجه ما، أسوأ حالًا من تلك المدرسة. خليط من التناقضات! في جانب، دقة تتحدى حتى علم الرياضيات، كل شيء يتحرك بدقة ويتقدّم بانضباط. ومع ذلك، كيف نُدرك كل هذا الظلم والعبث؟ الأبرياء يُصلبون، والظالمون يَحكمون! مضت الأيام والسنوات والقرون، ولا تغيير. أليست هذه الحياة أقسى من مدرسة لا تُعلن نتائجها؟ فما معناها؟ ومن يُعطينا جوابًا شافيًا؟
هكذا بكل بساطة يتجلّى منطق الإيمان. منطق يشبه مدرسةً ريفية بسيطة: من اجتهد في الدراسة وأدّى الامتحان بجد، نال النجاح والدرجات العالية، ومن تهاون وغاب ولم يكتب الامتحان كما ينبغي، كانت الخسارة نصيبه. هذا منطق يمكن لأي ملحد مادي أن يدركه، خاصة إذا كان مظلومًا أو مسلوب الحق أو ناله العقاب على ذنب لم يقترفه.
نعم، هذا العالم يسير نحو دائرة عدالة محتومة. إنه تصور إيماني عميق ومنطقي: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ • وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾. هذا هو كل ما في الأمر. والأجمل من ذلك، أن الله الذي نؤمن به رحمن رحيم، منحنا الحياة والجسد وكل ما نحتاجه من غير مقابل. وهو، سبحانه، يخبرنا عن طريق رسوله أن من فعل خيرًا فله أجر مضاعف عشر مرات، وأنه كما أعدّ لنا أرضًا نسكنها حين ولدنا، فقد أعدّ لنا جنةً خالدة نستقر فيها حين نعود إليه. هو الرحمن، آثاره بادية في الطبيعة والكون بأسره. ومن فتح بصيرته، رأى كل شيء. فلْتُفتح أعيننا.



