لنقصّ حكاية قرية منكوبة في جزيرة نائية، تغمرها الغابات الكثيفة وتعمّها الوحوش المفترسة كالأسود والنمور والفهود. في هذا المكان، يسود نظام غريب: حين تلد النساء، تمتلئ صدورهن بالدم بدلًا من الحليب، ويتحول إلى مادة سامة، وإذا زادت سُميّته، يموت الرضيع. لكن إن أُعطي الطفل بضع قطرات من حليب آخر، يكفيه لحياة كاملة. وغالبًا ما يعتمد السكان على حليب أنثى النمر، فيخرجون لصيدها بعد أن تضع صغارها، ويستخرجون الحليب من ضرعها، ثم يُعبّأ ويُوزع على المواليد الجدد. غير أن صيدها خطر، فكثيرًا ما تهاجم النمور الأخرى دفاعًا عنها، وقد قُتل أكثر من ألف شخص في تلك الجزيرة ب هذا السبب .
رغم وفرة الماعز والأبقار في كل مكان، إلا أن لا فائدة تُرجى منها؛ فحليب الماعز يُسبب حكة شديدة بعد نصف ساعة، ولا دواء يزيلها، وقد مات كثيرون بآثارها المؤلمة. أما حليب البقر فخالٍ من الأذى لكنه مُرّ كمادة دوائية. وحده حليب الجاموس هو الأفضل، لكن الحصول عليه يكلّف الحياة، إذ إن ذكوره تحرس الإناث بشراسة، ويكفي الاقتراب للحلب حتى يُهاجمك بطعنٍ قاتل.
تأمّل مأساة أهل هذه القرية، أليس في الأمر ما يثير الحزن؟ ومع ذلك، لم تنتهِ المحنة بعد. فرغم أنهم يسكنون جزيرة، فلا ماء لديهم للشرب، وطعامهم كله مالح، وإذا اشتد بهم العطش، لا يجدون سوى أن يشربوا من ماء البحر المالح.
وذات يوم، وصلت قاربٌ إلى الجزيرة ونزل منه رجل غريب. شرح له الأهالي معاناتهم، فاختبر الأرض بجهازه وقال إن الماء العذب موجود في الأعماق، وحدد لهم العمق: 14698.2 قدمًا، أي 4.48 كيلومترًا! فبدأوا الحفر منذ سنين، لكن الحفرة كثيرًا ما تنهار ويعودون من جديد، ولا أمل يلوح بأنهم سينالون الماء في هذه الحياة.
وهناك مصيبة أخرى أيضًا؛ فجوز الهند هو مصدر رزقهم الأساسي، وتغطي أشجار النخيل جزءًا كبيرًا من الجزيرة، لكنها لا تثمر سريعًا، إذ لا تُعطي ثمارًا إلا بعد أربعين عامًا من زراعتها، وقد تكون قد نمت حينها لارتفاع يصل إلى ثلاثة أو ثلاثة ونصف كيلومترات. ومع بداية تفتح زهورها، تستوطنها حشرات عدوانية أشد فتكًا من الدبابير، فتبدأ بقضم الثمار قبل نضوجها. وحتى إن تسلق أحدهم هذا الارتفاع الشاهق، فعليه أن يواجه تلك الحشرات ليحصل على ثمرة واحدة، وقد لُدغ كثيرون أثناء القطف، فسقطوا مغشيًا عليهم، ومات بعضهم من أثر تلك اللدغات القاتلة.
يا له من مشهد مؤلم، يا أحبتي، حال هؤلاء القرويين يبعث على الحزن! تخيلوا لو كانت بلادنا مثلهم: جوز الهند على ارتفاع ثلاثة كيلومترات ونصف، والدبابير تحرسه بلا مقابل، والماء العذب مدفون على عمق أربعة كيلومترات ونصف، وحليب الأطفال لا يُنال إلا من ضرع أنثى نمر. وعند موسم حصاد الأرز، تعج الحقول بالأفاعي السامة، وحتى القلقاس والبطاطا لا تُجنى إلا بعد قطع مسافة كيلومترين ونصف، أما الأسماك فتبعد أربعة آلاف ميل بحري في عمق البحر!. نقول إن كل شيء موجود، لكن حين نحتاج إليه لا يمكننا الوصول إليه.
أهكذا أصبح الحال؟ لقد غرقنا في غفلة النعم، فلم نعد نتأملها أو نُقدّر قيمتها. انظر كيف أكرم الله الإنسان، ضيفه في هذه الحياة، بمصادر رزق قريبة ومتاحة. فاكهة البابايا والسابوتا تُقطف باليد، والجامبوكا و"الملغووا" تنضج وتدعونا كأنها تقول: تعالوا. والأناناس الناضج والجوافة المكتملة يثيران شهيتنا بجمال منظرهما ونضجهما.
يكفي أن تنحني قليلًا لتحصد الأرز والقمح، أليست الأسماك تلمع في البرك والمستنقعات والبحر كأنها تدعونا؟ وإن أردت اللحم، فالأغنام والماعز والثيران كما تشاء، وإن رغبت في لحم الطيور، فالدجاج والبط والطيور البرية متوفرة. أما الماء، ففي كثير من الأماكن لا يتطلب سوى الحفر لأربعة أو خمسة أو عشرة أقدام. وجوز الهند يُسقط بعصا من الأرض. وعند الولادة، تمتلئ صدور الأمهات بالحليب فورًا، يكفي أن يضع الرضيع، وهو لا يعرف شيئًا، فمه ليرضع بشغف كأنه الفائز بالمركز الأول في مسابقة رضاعة على مستوى الولاية.
تأمل جسدك قليلًا. أليست الأسنان تبدأ في الظهور واحدة تلو الأخرى بعد عدة أشهر، ثم تتوقف عند حدٍ معين؟ ألا تنمو الأسنان العلوية دون أن تهبط إلى الشفة السفلية؟ والسفلية دون أن تصعد فتخترق الشفة العليا؟ ألا تصطف الأسنان في نظام دون تشوّه أو اعوجاج؟ تنمو اللحية باعتدال، ويكون الشارب أقل منها، ويثبت الشعر في مواضعه عند مرحلة معينة بشكل أنيق ومتوازن. فمن الذي ينظم كل هذا بدقة دون أن يخطئ، وكأن هناك من يُلقي التعليمات لكل جزء من الجسد؟.
كل شيء مُخطط بدقة تامة، فكل عنصر في الكون موضوع في مكانه وزمانه المناسب. حين نستيقظ، نجد الشمس تشرق من الشرق بوجهها الذهبي المبتسم، ودفيء الصباح نعمة لذيذة. هذا الدفء ما هو إلا ثمرة المسافة الدقيقة بين الأرض والشمس.
ألم نكن في برد الشتاء نشعل النار بالحطب اليابس ونتدفأ منها في الصباح؟ كنا نقف على مسافة محددة، فكلما اقتربنا زاد حرها. كذلك تدور الشمس على مسافة محسوبة من الأرض، فلو اقتربت أكثر لاحترقنا، ولو ابتعدت أكثر لتجمدنا ومتنا من شدة البرد. بين القمر والبحر ترتيب دقيق في المسافة، فكأنهما عاشقان، ولو اقتربا أكثر لوقعت كوارث لا تُحصى. وكذلك الفصول تتعاقب وفقًا لدوران الشمس والأرض في نظام محكم. خلف كل هذا التناسق قانون علمي دقيق، لكن في الفكر الإلحادي يسمونه "الصدفة" أو "التطور العشوائي". فهل يُعقل أن يقول عاقل إن هذا النظام البديع جاء بلا تدبير؟.
تخيل أن حفل زفاف يُقام في بيت شخص ينكر كل هذا، وقد أُعد الطعام بدقة بحسب عدد الضيوف، والمقاعد مرتبة تكفي الجميع، والوفد المتجه إلى بيت العروس منظّم، مع سيارات محددة. وعند الظهيرة نزل المطر، لكن لا مشكلة، فهناك خيمة منصوبة مسبقًا.
اسأله: كيف تمّ هذا التنظيم؟ هل سيجيب بأنه لم يفعل شيئًا، وكل شيء حدث صدفة وتطور طبيعي. رغم إنكاره، لو سمعك تقول ذلك عنه لغضب بشدة، لأنه وحده يعلم كم بذل من جهد، وكم استعان بالناس، وكم خطط ليخرج كل شيء على هذا النحو!.
صديقي العاقل، دعني أهمس لك بشيء: من السهل أن تُنكر، وليس هنا من يُحدد للإنكار. أما الوصول إلى الحقيقة فيحتاج إلى تأمل وجهد. فكما أن الدراسة، والنجاح، وبلوغ المراتب العليا تحتاج إلى اجتهاد، فإن التفكير لاكتشاف الحقيقة يتطلب الجهد والكسب. النفي هدم، ويمكن لأي أحد أن ينفي أي شيء، في أي وقت، وبأي طريقة.
تخيّل ابنا منكرًا، فيقول لوالديه: "أنتما لستما والديّ، ولا دليل لديّ، ولا أؤمن بتحليل الحمض النووي. سأمضي في طريقي، لال سلام!"، فكيف سيكون حاله؟ فماذا نجيب.
اخواننا، لن نبلغ الحقيقة ولا النجاح في الحياة إلا بالتفكير المتزن والعقل الراشد.



