أُقيمت مسابقة أدبية، وكنا نحن الثلاثة في لجنة التحكيم. وكانت المسابقة في فن الخطابة. من بين المشاركات جاءت خطبة مذهلة، ثرية بالمضمون، قوية في الطرح والتعبير. لكن حين جاء وقت إصدار القرار النهائي، اتخذنا قرارًا موحّدًا: هذه الخطبة لا تستحق المركز الأول!
ولم يكن السبب نقصًا في الجودة، بل لأن الخطبة افتقدت أهم معيار: الأصالة. فالمشاركون الآخرون قدّموا خطبًا تنسجم مع أعمارهم ومستواهم الدراسي، وكانت أفكارهم نابعة من ذواتهم. أما هذه الخطبة، فرغم تفوقها في الفكرة والأسلوب، بدت كأنها ليست من إعداد صاحبها. بل ظهرت فيها بصمات شخصٍ آخر – ربما قائد مجموعة، أو معلم كتبها له. بدا الأمر إنه حفظ النص وألقاه فقط.
ولهذا السبب الوحيد، استبعدنا تلك الخطبة من المركز الأول، رغم أنها كانت الأوفر حظًا في نظر الجميع. أحد أعضاء اللجنة اقترح أن نستدعي هذا المتسابق ونسأله مباشرة عن أصالة هذه الخطبة لكن الآخرين رفضوا فورًا قائلين: “لا حاجة، إنا واثقون أنها ليست من إنتاجه، لقد كتبها له أحدهم”.
هل فهمت شيئًا؟
لا.
في أحد الأيام، عدنا إلى البيت متأخرين، فاستقبلتنا زوجاتنا ونادين للحديث في بعض الأمور. نحن نعرفهن جيدًا منذ سنوات طويلة: نعرف طباعهن، سلوكهن، معرفتهن، قدراتهن، وجهات نظرهن، ومواقفهن. لكن اليوم بدا الأمر مختلفًا، فالكلام الذي نُقل إلينا منها كان فيه حدة غير معهودة، وبلاغة لا تتناسب أبدًا مع مستواهن المعتاد، سواء في اللغة أو في جودة الأفكار. شعرنا كأن الحديث قد أُعدّ مسبقًا لإرباكنا، وكأنهن حفظن عن ظهر قلب حوارات مشتعلة لأدباء عالميين وجئن بها ليقذفننا بها دفعة واحدة.
هل اتّضح لكم المعنى؟
لا
جاء أحد أصدقائنا يطرق الباب. صديقٌ ليس من أولئك الذين التقيناهم في السوق أو في مؤتمر ما منذ يوم أو يومين، بل هو شخص نعرفه منذ ما يقارب الأربعين عامًا، كأحد أعضائنا. نعرف طباعه وسلوكياته، ونعرف طريقة حديثه، وأفكاره، ومواقفه، ولغته، كما نعرف أنفاسنا. لكن ما قاله بالأمس عند الباب لم يكن من مستواه المعتاد في التعبير. لم يكن من الممكن أن يصدر هذا الكلام عنه تلقائيًا. ولو كان هذا ضمن مسابقة عنوانها "التعبير عن الفكرة باللغة الذاتية"، لما حصل على نقطة واحدة!
أفلا تبين المقصود الآن؟
لقد كان أهل مكة يعرفون النبي محمدًا ﷺ معرفة تامة. كانوا يعلمون ما الذي يقوله، كيف يفكر، وما هي مواقفه. رجلٌ عاش أربعين عامًا فيهم، في حياة عامة، ثم جاءهم فجأة بكلام مدهش، خارق في فصاحته وجماله.
وهنا يتفرّد القرآن. لقد أصبح معجزة تدهش السامعين وتأسر القلوب. فنحن نعرف إلى أي مدى يمكن لإنسان أن يُنتج من أفكار وتعابير، خصوصًا إذا كان هو معروفًا لنا من جميع الجوانب، ظاهرًا وباطنًا. ومع ذلك، حين سمع خصومه أنفسهم روعة تلك الكلمات الإلهية، لم يستطيعوا إلا أن يعترفوا بأنها أمر جلل، لا يمكن أن يكون من صنع البشر.
إن جاذبية القرآن العظيمة لا تكمن فقط في جمال معانيه، بل في كونه يصدر عن رجلٍ مثل محمد ﷺ، وهذا ما يجعل إعجازه أشد وقعًا وأبهى حضورًا. فلو كان هذا الرجل قد شوهد في صباه بين الناس، ثم غاب نحو خمسة عشر أو عشرين عامًا ينتقل بين البلدان، يتلقى العلم في الجامعات والمعاهد، لما كان وقع هذا الكلام الإلهي على الناس بهذا القدر من الذهول والدهشة.
ولو أراد محمد ﷺ أن ينسب القرآن إلى نفسه، لوجدها فرصة سانحة لا تُعوّض. فقد لقيت كلماته من المجتمع العربي المُتذوِّق للشعر والبيان، قبولًا مذهلًا وردود فعل لم ينلها أحد من قبل. كانت هذه فرصة ذهبية ليصير نجمًا بارزًا بين قومه. رجل لم يعرف عنه قبل الأربعين شعرٌ ولا أدبٌ ولا مشاركة في مجالس الغناء ولا محافل الشعر، وإذا به يخرج فجأة بأرفع بيان، ويكسب قلوب الناس بسرعة، ويُمنح فرصة أن يكون “رمزًا” أدبيًا، ومكانةً مرموقة بين الكبار. لكن هو ﷺ لم يفعل شيئا منها.
لو كنّا نحن في موضعه، فربما لم نتمالك أنفسنا من التفكير بهذه الطريقة. فنحن كثيرًا ما نطالع الكتب ونحتفظ بأفكار غيرنا، ثم نعرضها في النقاشات والمفاوضات كما لو كانت رؤانا الخاصة، محاولين نسبتها إلينا.
وبفعل الظروف، إذا لاقت كلمة لنا أو مقال كتبناه إعجابًا وانتشارًا، فإننا نميل إلى الاستمتاع بذلك بانفعال داخلي. وقد نقول بتواضع ظاهري: "لم أستعد كثيرًا، قلتها على عجل"، في حين أننا في الباطن نحاول إبراز اللحظة واستثمارها. بل قد نُلمّح بأن قدراتنا تتجاوز ما قيل، ولو أُتيح لنا وقت أطول لكان أثر كلامنا أعظم.
أما النبي محمد ﷺ، ففي كل ما كان يقرأه من آيات، نسمع تأكيدًا متكررًا: هذا الكلام ليس من عندي، بل هو من عند رب العالمين. إني لا أنطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، كما يقول القرآن الكريم.
وبالحديث المتقدّم نبلغ إلى أن جاذبية النص القرآني لا تنبع فحسب من جمال معانيه وروعة بيانه، بل الأشد تأثيرًا هو أن هذه الكلمات صدرت من شخصيّة تتجلّى فيها صفات خارقة للعادة، مما يضفي على الكتاب مسحة إعجازية مضاعفة.
فلنواصل الحديث:
إن التعلّق الإيماني الناتج عن ملامسة ما هو خارق للطبيعة غالبًا ما يكون مليئًا بالحماسة ومفعمًا بالشغف، إذ لا يمر عبر التفكير البطيء أو التحليل الطويل، بل يدخل مباشرة إلى أعماق النفس، فيستولي على القلب والعقل دفعة واحدة. أما الانجذاب القائم على الفكرة أو المعنى الفلسفي، والذي لا يستند إلى خوارق، فإنه يتكوّن ببطء عبر عمليات ذهنية معقّدة، وقد يتعرض لاحقًا للاضطراب أو الشك حين يُعاد النظر فيه. هكذا تجري الأمور في الغالب.
فافهم أولا أن معظم الناس إنما انجذبوا إلى الإيمان عبر ما ظهر في حياة النبي محمد ﷺ من مظاهر خارقة للطبيعة. فالخارق بطبيعته يحمل صبغة لا مألوفة، إذ تتجاوز مجرياته روابط الأسباب والمسببات المعتادة. ومتى شاهده الإنسان بعينيه أو اختبره بنفسه هذه المعجزات، فإن أبواب التفكير المعاكس تُغلق أمامه تمامًا. وعندها، لا يكون للنقد أو التحليل أو الاعتراض العقلي مجال لأن ينهض، إذ يكون القلب قد انجرف وانقاد قبل أن يتمكن العقل من أن يراجع أو يناقش.
هذه الظواهر الخارقة ليست حكرًا على النبي محمد ﷺ وحده، بل نعلم يقينًا أن أنبياء كثيرين من قبله قد أُيِّدوا بمثل هذه الآيات المعجزة. وكلّما اشتدّت استحالة الظرف الماديّ المحيط بالمعجزة، تعاظمت الدهشة في النفوس، وازدادت المعجزة رهبةً في القلوب. أفلا تفهم؟ إليك المثال:
تخيل أن قوم ثمود قالوا للنبي صالح: "نحن مستعدون أن نؤمن بك، ولكن بشرط أن تلد هذه الناقة الحامل التي نراها الآن، في الحال". فإن حصل ذلك بكلمة واحدة منه أو بحركة بسيطة، فلا شك أنه أمر خارق، لكنه بدرجة أقل. أما إن أشاروا إلى ناقة ليست حاملًا أصلًا، وقالوا: "فلتلد الآن"، ثم وُلد منها جملٌ، فقد ارتفع مستوى الإعجاز. ولو أشاروا إلى جمل صغير لم يبلغ سنّ الحمل بعد، وقالوا: "نريد أن نرى ولادته الآن"، فوقع الأمر، فإن ذلك سيكون أعجب وأدهش. بل وتصور أن يُشار إلى حيوان من غير فصيلة الجِمال، كفرس أو جاموس، ويُطلب منه أن يلد جملًا، ثم يحدث ذلك فعليًا — فهنا نكون أمام معجزة لا يُمكن أن يتردد فيها القلب لحظة واحدة.
فلنتذكر أن قوم صالح لم يطلبوا شيئًا من الخيال المحض، لم يقولوا له: "أخرج لنا من هذا الصخر الأسود جملًا صغيرًا في سن الحضانة!"، بل كل ما طلبوه منه أن يُحضر لهم ناقة حامل من الصخر. يا إلهي!
ينبغي للمرء أن يجلس متأملاً، واضعًا يده على رأسه، مفكرًا بعمق. فقد آمن جمهور غفير بما رأوه بأعينهم، بينما أعرض قلّة من المستهزئين، فنال كلٌّ جزاءه.
أما معجزة عصا النبي موسى، فهي كذلك أيضًا. فقد اجتمع الناس في ساحة فسيحة، وكانت الحشود عظيمة. وكان الجميع على دراية بحيل الحبال والعصي وما يظنه الناس سحرًا. فلما ألقى موسى عليه السلام عصاه، التهمت جميع الحبال والعصي من حولها، فكان مشهدًا يفوق الإدراك، لا يُصدق بالبصر وحده، ولا تُفسّره القوانين العلمية. فلم يكن لدى الناس متسع من الوقت للتفكير في بطش فرعون، بل نطقوا دون تردد: "آمنا!". فحين ينكسر السدّ، هل يتأمل الماء طريقه؟ بل يندفع جارفًا.
وفي المقابل، فإن من تبِع الأنبياء من أولياء الله، نالوا حظًّا من هذه الكرامات. فقد ورد أن الشيخ خواجة معين الدين حين قدم إلى الهند، صبَّ دلوًا من الماء في بحيرة "أنّا ساغر" التي كانت قد جفّت، ففاضت العيون بالماء في لحظات، حتى امتلأت البحيرة من جديد. فآمن الآلاف ممّن شهدوا ذلك، في الحال، قائلين: "آمنا".
القرآن كله معجزة لا يستطيع البشر الإتيان بمثلها، ومن يستمع إليه بقلب صادق، يشعر بإيمانٍ يملأ روحه فورًا، دون حاجة للتفكير الطويل. حتى من جاء يعاديه، إذا اقترب منه بصدق ونيّة طيبة، يتحوّل إلى مؤمنٍ منبهر بجماله. فالقلوب الطيبة تنجذب إليه كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس، والقرآن نقيّ وجاذب، لا يُقاوَم هذا هو الحق...!!!



