يُكثِر بعض الناس من طرح الأسئلة دون أن يُصغوا إلى الإجابات.
إنهم يشبهون طلابًا دائمين في الفشل، يقرؤون الأسئلة فقط، دون أن يقتربوا من الأجوبة، لا يدرسون، ولا يكتبون في الامتحان. لا يملكون سوى مجموعة محدودة من الأسئلة السطحية التي يدورون حولهم. وقد أغلقوا بها على قلوبهم، فلا تنفذ إليها أي حقيقة. يعيشون كأخشاب بلا جوهر. لا ينبغي لنا أن نكون مثلهم. بل علينا أن نطرح أسئلة ناضجة، ونبحث عن أجوبة راسخة، ونتقبلها بعقل منفتح وفهم عميق.
"لِمَ يفعل الخالق ما يشاء؟" ليس هذا السؤال سوى قمة جبل الجليد، إذ تخفي تحته طبقات من الحقائق الأعمق والأوسع.
والجواب الأبسط على هذا السؤال: أن الله يفعل ما يشاء لأنه هو الخالق لكل شيء. لكن، هل فهمت حقيقة معنى "الخلق"؟
الخلق لا يعني جمع عناصر موجودة سلفًا (مثل X وY) وصياغتها على شكل جديد (Z)، فهذا ليس خلقًا، بل تجميعًا، وأيّ شخص قادر عليه. فمثلاً: في الماضي صنعتَ لباسًا من أوراق الشجر، أو شكّلت أدوات من الحديد، ثم في العصور الحديثة صنعتَ صواريخ من المعادن… فهل هذا يُسمّى خلقًا؟
إن كنت تريد أن "تخلق"، فلا يجوز لك أن تمس شيئًا من هذا العالم، حتى ذرة تراب! الخلق الحقيقي هو أن تُوجِد المادة من العدم، وتشكّل الهيئة من غير سابقة، وتخلق المكان والزمان ثم تُخرج الموجود من لا شيء. أما أن تأخذ مواد جاهزة، وتعيد تركيبها وتقول: "أنا خلقت" — فهذا، لو تأملت بصدق، ليس سوى علامة الجهل.
يا صديقي، يجب أن تعلم أنه لكي يُصنع شيء ما، فلا بد من توفر أمرين أساسيين: أولًا، وجود مادة تتضمّن الخصائص المناسبة لما نرغب في صناعته، وثانيًا، وجود بصيرة تُدرك أن لهذه المادة تلك الخصائص، وبالتالي يمكن توظيفها في ما نريد.
قد تُحيط بنا مواد زاخرة بالخصائص من كل جانب، لكنها تظل عديمة النفع إن لم يوجد من يدرك قيمتها. وفي المقابل، قد يوجد من يملك شغفًا عميقًا بالصناعة والإبداع، لكن تنقصه المواد المناسبة. وفي كلا الحالين، لا يكتمل المقصود. وقد جمع القرآن بين هذين الأمرين، فقال: "خلق" أي أوجد، ثم قال: "هدى" أي دلّ ووجّه.
على سبيل المثال، لنأخذ اكتشاف الكهرباء الذي قلب حياتنا رأسًا على عقب. لو أن مايكل فاراداي كان يجري تجاربه بأسياخ من الخيزران وأشواك النخيل، لما توصّل إلى الكهرباء يومًا. وكذلك التاجر الذي يبيع الأسلاك والمغناطيسات باستمرار، لن يخطر بباله يومًا ما تحتويه تلك المواد من أسرار، لأن غايته ليست الاكتشاف، بل البيع والربح. أفَهمتَ المقصود؟
خلق الله في هذا الكون موادًا متعددة ذات خصائص متنوعة، ووهب الإنسان عقلًا قادرًا على إدراك خصائصها والاستفادة منها. وفي أوقات معيّنة، هيّأ الله توفيقًا بين هذه المواد. أحيانًا يكون الاكتشاف ثمرة جهد طويل، وأحيانًا أخرى صدفة. فمثلاً، (فاراداي) توصّل إلى اكتشاف الكهرباء حين لاحظ تحرّك البوصلة أثناء تجربة مختلفة. و(ألكسندر فليمنج) اكتشف البنسلين أثناء تجاربه على بكتيريا "الستافيلوكوكَس" من خلال ملاحظة عَرَضيّة. أما (بيرسي سبنسر)، فقد لاحظ أثناء تجربة أنّ قطعة الشوكولاتة في جيبه بدأت تذوب، فقادته تلك الملاحظة إلى اكتشاف المايكروويف.
بعبارة أخرى، إننا في الحقيقة لا نخلق خصائص المواد، بل نكتشف ما هو كامن فيها ونصور الأشياء باستعماله. لسنا قادرين على ابتكار مادة أساسية بمجرد حاجتنا إليها، بل نعتمد على ما أوجده الله مسبقًا. فمثلًا، لإنتاج الكهرباء نحتاج إلى عنصر أساسي وهو المغناطيس. نحن لم نخترع المغناطيسية، بل تعرفنا على وجودها لاحقًا في المادة الموجودة. وبعد ذلك فقط، تمكّنا من تصنيع المغناطيسات الصناعية. والكهرباء لا تتولّد إلا عند اقتران السلك بالمغناطيس، ومع ذلك، ليس كل الأسلاك تسمح بمرور التيار، مما دفعنا إلى التمييز بينها. وهذا كله يدلّ على أن المواد ذات الصفات المناسبة لكلا الأمرين قد خُلِقَت مُسبقًا.
تأمّل قليلًا: لو أن ثورًا أو حمارًا ظلّا يتعاملان مع الأسلاك والمغناطيس لقرون، لما نشأ التيار الكهربائي أبدًا. ليس لأن في رؤوسهما فراغًا، بل لأن أدمغتهما لا تملك القابلية الكامنة للتطوّر نحو الاكتشاف. ونحن اليوم نُنتج كثيرًا من المركّبات الكيميائية، فكيف تمكّنا من ذلك؟ أليس بفضل وجود المواد ذات الخصائص الأساسية على الأرض؟ لا شك أن هناك خصائص كثيرة لم نكتشفها بعد، وستأتي لحظة يتجلّى فيها التوجيه (الهداية) نحو تلك الاكتشافات أيضًا.
إن استمرار هذا الكون قائم على نظام التفاعل والتجاذب المتبادل بين الموجودات والحقائق. ولولا هذا النظام، لعمّ الجمود والفراغ في كل مكان.
وكمثال على ذلك: كما أن بين السلك والمغناطيس قوة جذب، كذلك جعل الله بين البشر مغناطيس الشهوة. فهذا القانون يسري هنا أيضًا. فوجود امرأة جميلة أو رجل وسيم لا يكفي وحده، بل نقوم بعرض تلك المرأة، ونكشف جسدها شبه عارٍ لتأجيج الرغبة. ولكن، أمام من؟ أمام البقرة! فيتقدّم، ويتفحّص، ثم يرجع مدركًا أنه لا يجد فيها ما يثيره. ثم نرسل فيلًا، حصانًا، خنزيرًا بريًّا، حيوانًا مفترسًا، أو فرس نهر، ولا يُثار أحد منهم.
وفي النهاية، نرسل رجلًا لا يحمل مؤهلًا في علم الجنس، ولا يعرف معنى الشهوة، بل لا يعرف حتى أوّل حرف من كلمة "جنس"، ولم يسبق له أن رأى امرأة قط. ومع ذلك، فقط امنحوه خمس دقائق من التردد أمام تلك المرأة، وسـتُشاهدون علامات الانفجار الجنسي تظهر عليه بوضوح.
ومن جهة أخرى، هناك رجال يُعانون من العجز الجنسي. يبدون رجالًا في الظاهر، وتتوفر لديهم الأعضاء، ولكن نار الرغبة الجنسية قد خمدت في داخلهم. فإذا وُضع أحدهم في هذا الموقف، يعود أدراجه كما فعل الفيل والحيوانات الأخرى. فماذا نستنتج من كل هذا؟ إنّ فعل الخلق أمر بسيط جدًا، أليس كذلك....!!!!!!؟
الآن، ما عليك فعله هو هذا.... لا أعلم أنك تكون قادرًا حقًا على ذلك. يجب أن تتخيّل أمرًا ما... لا، بل يجب أن تتخيّله تخيّلًا كاملًا! حالة العدم المطلق؛ زمن اللاشيء! نعم، لا شيء على الإطلاق: لا أرض، لا سماء، لا هواء، لا غازات، لا مطر، لا شمس. لا تراب، لا حجر، لا ديدان، لا حبال – لا شيء.
ليس من السهل أبدًا تخيّل هذا. وفي خضمّ هذا العدم التام، تبدأ فجأة نقطة دقيقة للغاية في التكوّن. هل تخيّلتها الآن؟ لكن، الصورة التي ارتسمت في ذهنك على الأرجح كانت نقطة على لوح خشبي أو على سطح ممتد لا نهائي، أليس كذلك؟ إذًا، لقد أخطأت. قدرتك على التخيل فشلت.
ما السبب؟ لأنك من البداية افترضت خطأً وجود مساحة كبيرة من "اللاشيء"، وظهرت هذه النقطة في داخلها. لكن من الذي أوجد هذه المساحة؟!
أخي العزيز، عقل الإنسان محدود. كالفيل المربوط بسلسلة، يستطيع أن يدور ويلعب حول السلسلة، لكنه لا يستطيع الهرب بعيدًا عنها. وكذلك عقل الإنسان، مقيّد بحبال من الحدود والقيود، لا يستطيع أن يتجاوزها.
لكي نُبدع ونُنتج، لا بد من توفر المواد الخام. فمن أراد إعداد طعام الغداء مثلًا، يحتاج إلى الأرز، والخردل، والملح، وأوراق الكاري، والفلفل، وسمك السردين، والباباد، وهذه كلها لا نصنعها نحن، بل نأخذها من الطبيعة دون جهد في خلقها. وإذا نظرنا حولنا، نرى عوالم دقيقة مدهشة يعجز الوصف عن الإحاطة بها، فكيف وُجدت؟ ومن الذي أوجدها؟ وعندما نطرح هذه الأسئلة، يبدأ البعض في سرد حكايات جاهزة وسيناريوهات أعدوها مسبقًا، لكن لا نمسح بطرح خطوة واحدة إلى الأمام. فقل فقط: كيف وُجد هذا الكون؟ ومتى؟ ولماذا؟ ولأي غاية؟.



