يتمنّى جميع المخلوقات أن يعيشوا كما يشاؤون، متبعين أهواءهم بلا قيود ولا حدود. مثلاً الأنعام، فالبقرة تعيش لا تعرف حدودًا ولا تمييزًا. فإذا جاعت، أكلت ما تراه أمامها دون أي اعتبار: لا تسأل لمن الطعام، ولا إن كان حلالًا أو حرامًا، نظيفًا أو قذرًا، طازجًا أو فاسدًا، ملكًا لها أو لغيرها، حتى لو كان ملوثًا بالقاذورات. ما يُشبع غرائزها، تقبله بلا تردد.
وهكذا نرى الماعز، والقطط، والغربان في الشوارع والأسواق، تتصرف كما يحلو لها، لا يحكمها عقل، ولا يردعها مبدأ، بل تحركها فقط الحاجة والرغبة.
لكن المهم أننا لسنا بهائمَ.
لو كنا أجسادًا بلا عقول، لكان من الطبيعي أن نحيا كما تحيا البهائم: نأكل ما نشاء، ونتبع شهواتنا. ألا ترَى كيف أن صغير الماعز حين يبلغ، يطأ أمه دون تمييز؟ لا عقل يفرّق له بين الحلال والحرام. فاتباع الهوى ليس بطولة، بل هو نزعة فطرية في الجسد. لذلك يسهل الوقوع فيه، ويبدو ممتعًا في ظاهره. لا يحتاج إلى موهبة، ولا إلى عقل راجح.
لكن الإنسان عاقل ومنطقي واجتماعي، غني بالثقافة، وواعٍ بديني وأخلاقي، حافظ على القيم. فمن الطبيعي – بل ومن الضروري – أن يكون كذلك، فلا يليق به أن يعيش حياةً بدائيةً غريزيةً. فإذا كان الإنسان كذلك، فمن المستحيل أن يرغب في حياة بدائية غريزية بلا تنظيم أو ضوابط.
لنبدأ من الجسد نفسه: هل يمكن للإنسان أن يأكل كل ما يراه كما تفعل البهائم؟ بالطبع لا، فاختياره للطعام محكوم بعقله، لا بمجرد شهوته. فلا يأكل لمجرد الشبع، بل يراعي طبيعة جسده، وعمره، وحالته الصحية، ويتجنب ما يضرّه. فمريض السكري، مثلًا، إن انغمس في تناول السكر والنشويات بلا وعي، يُهلك نفسه.
هل تُصاب الماعز أو الأبقار بالسكري، أو بنقص الصوديوم، أو بانخفاض الهيموغلوبين، أو بارتفاع الضغط؟ أم أن لديهم نظامًا طبيعيًّا ذاتيًّا ينظم كل ذلك؟ هذا من الأمور البحثية.
لكن الحقيقة التي لا تخفى حتى على أصحابها، أن هذه اللذائذ العابرة لها ثمنٌ باهظ يُدفع من أعمارهم وصحتهم. فالكبد قد ينهار، والقلب قد يتوقف، والنهاية قد تكون أليمة لا رجعة منها.
ويكفي أن ننظر إلى التدخين، وهو الأكثر شيوعًا، لندرك حجم الخطر؛ ففي علب السجائر نفسها لوحات تحذيرية، تحمل صورًا لأعضاء متآكلة بالسرطان، مصحوبة بعبارة: "ضارٌ بالصحة".
أما الانحراف في الشهوة الجنسية. فبابٌ واسع إلى أمراضٍ خطيرة.
إلى جانب الأضرار الجسدية، تخلّف هذه آثارًا اجتماعية جسيمة. فمدمن الخمر لا يُهلك جسده فحسب، بل يُقوّض كيان أسرته أيضًا. إذ يفقد وعيه، ويعود إلى بيته سكرانًا، فيفتعل الشجارات مع زوجته وأطفاله، ويُدمّر صحتهم النفسية، ويُسقط هيبتهم ومكانتهم بين الناس.
تأمّل حال فتاة جامعية، والدها مدمن خمر، يثير الفوضى في المنزل حتى يتجمّع الجيران لتهدئته… أي شعور يرافقها وهي تغادر صباحًا إلى جامعتها؟ يا للحزن!
الولد الذي يرى أباه يشتم أمه ويضربها، كيف يحب هذا الأبَ؟ وكيف يعيش معه مرتاحًا؟
والزوجة التي تعرف أن زوجها يخونها ويتبع النساء ويزني، كم سيكون قلبها حزينًا ومحترقًا؟
والأبناء الذين يعرفون أن أباهم يفعل الفواحش، كم سيشعرون بالخجل أمام الناس، في الحي، وفي الجامعة، ومع الأصدقاء؟
هذه أفعال لا تضر الشخص وحده، بل تدمر عائلته وتؤذي سمعتهم أمام الناس.
فكما أن للصحة قوانين تحفظها، وللدولة أنظمة تنظمها، لا ريب أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش حياة كريمة ومنضبطة بلا قانون يهديه ويضبط سلوكه، وهذا القانون هو الدين. فله دور أعظم: إنه يضع للإنسان ضوابط أخلاقية وروحية تحفظ له إنسانيته، وتضبط شهواته، وتهذب سلوكه، ليعيش في سلام مع نفسه ومع من حوله.
هل يمكننا الالتزام بهذه القواعد دون وجود رقابة أو قوانين خارجية؟ مثلاً، هل نرتدي الخوذة أو نربط حزام الأمان فقط خوفًا من الغرامة؟ وهل نستطيع أن نضحي ونتحمل من أجل الآخرين بمحض إرادتنا، دون أن يلزمنا دستور أو قانون؟.
تخيّل أن لديك دلو ماء في فترة جفاف، لا توجد محكمة تأمرك بعدم استخدامه لغسل قدميك، بل الأمر يعود إلى ضميرك ومسؤوليتك الشخصية. فالعقل والوجدان هما من يجب أن يقودانا في احترام الآخرين والتعاون معهم.
وباختصار أن الدين هو طريق كامل ينظم حياتنا بكل قوانينه ونظامه. العيش وفق تعاليمه سهل وراحة وسعادة. الجنة التي نطمح إليها تحتاج إلى صبر واجتهاد، والنار التي نحذر منها محاطة بالأعمال السيئة كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم "حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره". فالدين هو الذي يغرس فينا الأخلاق الحميدة ويرفعنا لنصبح أشخاصًا أفضل وأعظم في حياتنا.



