الرسل الذين يصفون أنفسهم بأنهم أُوتوا علمًا لا سبيل إليه لعامة الناس، يدهشوننا. لأنهم يتوجهون إلى البشرية بإعلان واضح يقول: لقد تلقّينا رسائل إلهية، ونأتي بخطط متكاملة في الإيمان والروح والعمل.
وغاية هذه الرسائل، كما يقولون، خلاص الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة. فليست الحياة عندهم محصورة في الأكل والنوم والانشغال بالماديات، بل هي ميدان لتحقيق أهداف سامية وغايات رفيعة. وهذه الخطط ليست من عند أنفسهم، بل يؤكدون أن مصدرها إلهي خالص.
ويشددون على نقطة لافتة: أن لديهم دلائل خارقة تؤكد صدق دعوتهم، وهذه الدلائل يمكن اختبارها من أي أحد؛ فهي وقائع يعجز المنطق المعتاد عن تفسيرها ضمن قوانين الحياة اليومية، مما يدل على أنها من جنس المعجزات.
ما يقوله أولئك الرسل ليس جنونًا ولا دعوة للتصديق الأعمى ونوعًا من الهذيان في المنام، ولا تهديدًا بالهلاك لمن لم يؤمن. بل على العكس تمامًا، إنهم يدعون كل عاقل إلى التفكر والتدبر وأن يزن دلائل النبوة بميزان العقل، وأن يتأملها برويّة، ليصل إلى الحقيقة عن فهم واقتناع.
حين نستعرض صفحات التاريخ، نلتقي بأول إنسان وأول نبي، وهو آدم عليه السلام الذي امتاز بميزة خارقة للعادة، وهي العلم الواسع الذي منحه الله له. فالمعرفة التي يمكن لإنسان أن يكتسبها في عمره المحدود لها نهاية ومقدار، أما آدم فكان ممن أُوتوا علم كل شيء في الأرض، كما يُفهم من الروايات.
وقبل خلق آدم، كان هناك من يرى نفسه رمزًا للعلم، لا لامتلاكه المعرفة، بل لتفاخره بها وتعاليه على غيره، إنه إبليس. فلما خُلق آدم وأُمر الملائكة وإبليس بالسجود له، رفض إبليس طاعة الأمر الإلهي، تكبرًا وغرورًا بعلمه. عرض الله تعالى علمه عليه السلام في ذلك الموقف ليكون ضربة قاصمة لكبرياء الغرور القائم على التفاخر بالمعرفة.
أيضا من الأنبياء الذين يسجل لنا التاريخ نبي الله نوح عليه السلام، إذ أُرسل إلى قومه ليهديهم إلى طريق المستقيم، لكنهم أعرضوا عن دعوته. وعلى مدى تسعمائة وخمسين عامًا في دعوته لم يتبعه إلا عدد قليل جدًا. ثم جاءه أمر الله ببناء سفينة، في وقت لم تكن فيه علامات الخطر بادية. فلما أتمّ بناءها، حمل فيها المؤمنين والحيوانات والطيور. وبعد ذلك انهمر المطر بغزارة وتفجرت الأرض عيونًا، فعمّ الطوفان حتى غمرت المياه الجبال، فهلك كل من كفر، ونجت السفينة بمن فيها، ورست بأمان على جبل الجودي.
النبي صالح عليه السلام بعثهم الله لهداية البشر إلى الخير. أُرسل إلى قوم ثمود، فدعاهم إلى ترك الفساد والسير في طريق الاستقامة. لكنهم، استهزاءً وسخرية، طلبوا منه معجزة، وقالوا: "أخرج لنا ناقة من هذه الصخرة، إن كنت صادقًا، ولتكن على صفات معينة." فوقعت المعجزة المذهلة، إذ بدأت الصخرة تتحرك وتتصدع بهدوء، ثم خرجت منها ناقة عظيمة مستوفية لكل ما طلبوه. ومع ذلك، لم يؤمنوا، بل تجاوزوا الحد فقتلوا الناقة ظلمًا وعدوانًا. فأرسل الله عليهم صيحة عظيمة دمّرتهم، وهلكوا جميعًا في مساكنهم المزخرفة المنحوتة في الجبال. وما زالت آثارهم باقية حتى اليوم في "مدائن صالح" شمال المملكة العربية السعودية، شاهدة على تلك الحادثة.
كان لنبي الله موسى عليه السلام معجزة عظيمة تمثّلت في عصاه، فإذا ألقاها تحوّلت إلى حيّة تسعى، وإذا أخذها عادت كما كانت. وقد واجه قومًا اشتهروا بالسحر، فتحدّاهم أمام الناس، فألقوا حبالهم وعصيّهم فتحوّلت إلى حيات تتلوى، فلما ألقى موسى عصاه تحوّلت إلى حيّة عظيمة ابتلعت ما ألقوه، فآمن كثيرون من الحضور. وفي موقف آخر، ضرب البحر بعصاه فانفلق، ومضى موسى وقومه سالمين، فلما تبعهم فرعون وجنوده، انطبق عليهم البحر وأغرقهم جميعًا.
عند مطالعتنا لتواريخ الأنبياء السابقين، تثير الدلائل التي أُيِّدوا بها فضولًا مشروعًا. غير أن العودة إلى أحداث مضت لا تتيح لنا اليوم إلا فهمها باعتبارها وقائع تاريخية، دون إمكانية إخضاعها لمعايير البحث والتحقق الحديثة. كما أن رسالات الأنبياء، وإن اتفقت في جوهرها، فقد تنوعت في مظاهرها وتشريعاتها وفق مقتضيات الزمان والمكان.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكننا، اعتمادًا على واقعة تاريخية مضت، أن نخطو خطوة عملية؟ وكيف نختبر دعوى شخص يقول إنه رسول من عند الله، باستخدام أدوات العصر الحديث؟ وهل لا تزال هناك دلائل خارقة يمكن التحقق منها على أنه نبي في زماننا؟ فمجرّد استحضار أحداث من الماضي لا يكفي لإقناع العقل المعاصر، أليس كذلك؟
تساؤلات وجيهة، وتحقيقات عميقة. والإجابة عنها ليست بعيدة... فلنستعد للسير نحوها بثقة وهدوء.



