قل لي إذًا: كيف نعرف خالق الكون – الله؟ كيف نفهمه ونتعلّمه؟ ألستم ممن يقولون إن للعقل حدودًا؟ فكيف نصل إلى الله بالعقل وحده؟
ينبغي أن نفهم أمرًا أساسيًّا: لكل شيء وسيلته ومقياسه الخاص لمعرفته. فإن سلكنا الطريق الصحيح، وصلنا. وإن انحرفنا، لن نصل إليه وإن كان الشئ موجودا.
فتاة أهدت حبيبها رسالة حب، فهل يستطيع أن يسمع ما فيها إذا وضعها على أذنه وهو مغمض العينين؟ لا، لا بد أن يفتحها ويقرأها. وهل يشغّل أحدهم أغنية ثم يسد أذنيه بالقطن ويقول: أريد أن أفهمه بالرؤية؟ مستحيل، أخي العزيز...
يمكننا أن نتأمل جالسا في منصة المشاهدة. هل يعقل أن ينكر الإنسان وجود شيء لمجرد أنه لا يراه أو يسمعه أو يلمسه؟ الواقع أننا نُبصر بأعيننا أشياء كثيرة، فهل يكون غياب إحدى الحواس سببًا كافيًا لنفي الحقيقة؟ تخيّلوا معنا: أمامنا الآن رجل أعمى يدخل إلى حديقة، وكلما لمس زهرة قلنا له: هذه حمراء، وتلك خضراء، وهذه بنفسجية، وتلك صفراء… لكنه لا يُصدق، لأنه لا يرى، ولا يؤمن إلا بما تلمسه يده.
والأعجب أن هذا الرجل هو نائب الرئيس العالمي لجمعية "التعاون الدولي للمنكرين"! لا يصدق شيئًا يُقال له، ولا يعترف إلا بما يمكنه رؤيته، مع أنه لا يملك نعمة البصر. وبكل جمود وبرود يقول: "ما تسمونه أحمر وأخضر وأصفر وأسود… ليس له وجود أصلًا، بل هذه أوهام نفسية تتخيلونها." بالله.....، ما الذي نفعله هنا؟ أليس ما نشهده عجبًا من أعاجيب الإنكار؟
أخرجنا ذلك الرجل بلطف من الساحة، فإذا بشخص آخر يظهر في المشهد، وهذه المرة كان أصمًّا. من الغابة المجاورة انطلقت أنغام البلبل العذبة، فقلنا له: "إنه البلبل يغني!"، لكنه لم يُصدّق. عرضنا عليه ألحانًا جميلة من الهاتف، لكنه أشار بيده نافياً، مؤكدًا أن لا شيء يُسمع، وكأن الصوت لا وجود له.
ثم تدخل أنت الساحة، وإذا بك تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى منكر من الدرجة الأولى. تنكر الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء، وتنكر كل ما لا يُدرك بالحواس الخمس، وكأن ما لا نراه أو نسمعه أو نلمسه غير موجود. فتصبح بذلك نموذجًا لإنكار كل ما هو خارج حدود التجربة الحسية. فماذا سيقول عنك المتأمل الجالس في منصة المشاهدة؟.
إذن، لكل شيء طريقه الخاص وأداته المناسبة التي لا غنى عنها لمعرفة حقيقته. وهذا ما تؤكده شواهد الحياة اليومية. فالتلسكوب يُقرّب لنا المجرات البعيدة، لكنه لا يصلح لطبيب يشخّص مريضًا محمومًا، فذلك يحتاج إلى السماعة الطبية لا غير. ومثلًا، إن طلبت أمك زيتًا من السوق وقلت للبائع: "أعطني ثلاثة أمتار من الزيت!" لَتعجّب منك، كما لو طلبت من متجر ملابس قميصًا بسعة أربعة لترات. بل إنك لا تستطيع قراءة السنهالية باستخدام حروف صينية، فلكل معرفة أداة، ولكل قياس ميزانه، ولا تُؤتى الأمور إلا من أبوابها.
الله خارج عن هذا الكون، وليس كمثلِه شيء من الموجودات.. لذا لا يصح أن يتوهّم أحد أنه يمكن أن يُدرك الله أو يقيسه بمقاييس مادية صُمّمت لما هو داخل إطار الطبيعة. فإن قال قائل: "لن أؤمن بالله حتى أراه كما أراك"، فقد قال مثل هذا أقوام من قبل، وليس في ذلك جديد.
تأمل: المروحة تدور، المصباح يضيء، والمكيّف يبرد الهواء. ثم يدخل رجل فيسأل: "أليس في هذا المكان كهرباء؟"، فيُقال له: "أما ترى آثارها؟"، فيُصرّ ويقول: "لا، لا أكتفي بالآثار، بل أريد أن أرى الكهرباء وأشعر بها بنفسي".
فنجيبه: "تفضل، خذ هذا السلك، أوصله بالمقبس، وأمسك الطرف الآخر بيدك، وافتح الزر... حينها ستعرف الكهرباء يقيناً، وربما تعرف ما بعدها!"
نحن نُدرك أن الكون موجود، يتحرك لحظةً بلحظة، يتغير ويتقدّم في مسيره الدائم، وهذا بحد ذاته دليل على وجود خالق له. إذ لا وجود لمخلوق بلا خالق. والسؤال: كيف نوقن بذلك؟ كما قلنا، لكل شيء وسيلته في المعرفة، وليس من الضروري أن نرى كل شيء بأعيننا. أليست هناك مدينة تُدعى باريس؟ وأخرى تُسمّى فيلادلفيا؟ هل زرتها؟ ربما لا. ومع انتشار الوسائل المرئية اليوم، قد نظن أن كل شيء يمكن رؤيته، لكن حتى قبلها، آمن الناس بوجودهما، بلا سمع ولا رؤيه، لكن إيمانهم بها كان راسخًا لا يتزعزع.
منذ أن يبدأ الطفل وعيه، تشير الأم إلى رجل وتقول: "يا بُني، هذا والدك". فكم من الناس في محيطنا لم يعترفوا بأبيهم إلا بعد إجراء اختبار الحمض النووي؟! والمرأة التي تحتضنك وتطعمك وتهتم بك كل يوم، ما الذي يؤكد أنها والدتك حقًا؟ ماذا لو كانت قد تبنّتك؟ أو حدث خلط في جناح الولادة في المستشفى؟
في بعض الحالات، يكتفي الناس بما يُقال لهم، فيسمعون ويُصدقون، ولا يُصرّون على التحقق بالاختبارات.
وعندما نكبر قليلاً، تأخذنا أمهاتنا إلى المدرسة، ونمسك القلم، فتكتب لنا المعلمة الحرف "أ"، ويكتب المعلم الحرف "A"، فنصدّق ببساطة أن هذا هو الصواب. لا نُطالِب بدليل، ولا نُناقش لنُثبت بأنفسنا أن ما قيل لنا صحيح.
كنتَ قد حجزت تذكرة إلى واشنطن وجلست في الطائرة، وما إن أقلعت حتى غاب كل مشهد من النوافذ، ومع ذلك، تواصل الطائرة رحلتها، والركاب يجلسون مطمئنين مؤمنين أن الوجهة هي واشنطن. مئات المسافرين يركنون إلى الثقة لا إلى الرؤية، فمن أين جاء هذا اليقين؟ من قال إن الطائرة لا تتجه إلى كابول أو كولومبو مثلًا؟
هكذا هو الإيمان في مواضع كثيرة، له طرائق ومقاييس خاصة، أما من يُصرّ على اقتحام قمرة القيادة ليفحص البوصلة بنفسه كي يطمئن، فهو تجاوز في الحدود.
الآن قد اقتربنا من لبّ الموضوع: نحن لا نرى الله ولا نلمسه، ومع ذلك نؤمن به إيمانًا راسخًا. وهذا الإيمان ليس أمرًا سطحيًّا، بل يختلف تمامًا عن المعرفة الناتجة عن الرؤية أو الإدراك المباشر. فثمة فرقٌ جوهري بين "المعرفة عن طريق الرؤية" و"الإيمان دون رؤية"، وهذا ما يجب أن يُفهم جيدًا.
إذا تبيّن هذا الفرق، يصبح الأمر أكثر وضوحًا وسلاسة في الفهم. والآن، الحديث يتوجه نحو هذه النقطة تحديدًا: ما هو الإيمان؟ ومن هنا يجب أن نبدأ التفكر بعقلية تحليلية متأملة.



