من طبيعة الإنسان — بل ينبغي أن نقول من سوء طباعه — أنه لا يُقدّر النِّعَم التي يحصل عليها مجانًا ويألفها مع مرور الزمن. تأمل هذا: إذا سقط من يدنا قلم أو ورقة، وأسرع رجل مهذب ليلتقطها ويعطينا إياها، فإننا نضع أيدينا على صدورنا ونقول له بأدب واحترام: "شكرًا يا سيدي". لكن ماذا عن والدَينا؟ منذ طفولتنا، كم من الخدمات والرعاية والتضحيات والآلام قدموها لنا! فهل قلنا لهم "شكرًا" بين حين وآخر؟ هل نشكرهم يوميًّا على ما يبذلونه لأجلنا؟ للأسف، نادرًا ما يحدث ذلك.
ومن هنا، يلفتنا القرآن الكريم إلى مصدر هذه النِّعَم والخيرات التي نتمتع بها. من أين تأتي؟ وما هو أصلها الحقيقي؟ إن القرآن يشير في مواضع كثيرة، تلميحًا وتصريحًا، إلى نعم الله التي أغدقها على عباده، ليعيد توجيه تفكير الإنسان نحو المنعم الحقيقي.
يمكن تصنيف النعم التي أشار إليها القرآن الكريم إلى خمسة مجالات رئيسية:
1. موارد المعيشة: كالفواكه والحبوب والخضروات والأنعام، وقد أشار إليها القرآن بإسهاب باعتبارها مصادر رزق أساسية.
2. الماء: باعتباره أصل الحياة، وقد ارتبط ذكره بمعنى البقاء والاستمرار.
3. الأرض وما فيها: من أراضٍ خصبة وجبال غنيّة بالمعادن وبيئات متنوّعة، وكلها من دلائل عطاء الله وكرمه.
4. المناخ وجمال الكون: كالشمس والقمر والنجوم والنظام المتوازن للطبيعة، وكل ذلك ترتيب إلهي لخدمة الإنسان.
5. الجسد البشري وحواسه: من تركيبة الإنسان الدقيقة، وقدرته على الإبصار والسمع والذوق والشمّ واللمس، وهذه كلّها من نعم الله الظاهرة.
وَلِنَسِيرَنَّ في آيِ الذِّكرِ سِيرَةَ تَدَبُّرٍ وتفكُّر..
هو الذي خلق الأنعام لكم، فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون.
وهو الذي أنزل من السماء ماءً، منه شرابكم، ومنه شجرٌ ترعون.
فأنبت به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون.
وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.
وسخّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون.
إن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله لغفور رحيم.
والله أنزل من السماء ماءً، فأحيا به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآية لقوم يسمعون.
وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه، من بين فرثٍ ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين.
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً، إن في ذلك لآية لقوم يعقلون.
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك ذللاً، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، فيه شفاءٌ للناس، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون.
والله خلقكم، ثم يتوفاكم، ومنكم من يُردّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علمٍ شيئاً، إن الله عليم قدير.
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون؟
وهو الذي يحيي ويميت، وله اختلاف الليل والنهار، أفلا تعقلون؟
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، لعلكم تشكرون.
قل: من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يُجار عليه، إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله، قل فأنّى تسحرون؟
والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير.
ألم تروا أن الله سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، ومن الناس من يجادل في الله بغير علمٍ ولا هدىً ولا كتابٍ منير.
وهو الذي ينزّل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته، وهو الولي الحميد.
والله أنزل من السماء ماءً، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة، وزرعاً يحصده الناس، ونخيلاً باسقات لها طلع نضيد، رزقاً للعباد، وأحيينا به بلدة ميتاً، كذلك الخروج.
ألم نخلقكم من ماءٍ مهين، فجعلناه في قرارٍ مكين، إلى قدرٍ معلوم، فقدرنا فنعم القادرون؟ ويلٌ يومئذٍ للمكذبين.
ألم نجعل الأرض كفاتاً، أحياءً وأمواتاً؟ وجعلنا فيها رواسي شامخات، وأسقيناكم ماءً فراتاً.
فلينظر الإنسان إلى طعامه: أنا صببنا الماء صبًّا، ثم شققنا الأرض شقًّا، فأنبتنا فيها حبًّا، وعنبًا وقضبًا، وزيتونًا ونخلًا، وحدائق غلبًا، وفاكهةً وأبًّا، متاعًا لكم ولأنعامكم.
بعد كل هذه الإشارات، يبيّن الله لنا بكل عدل ووضوح:
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ.
فالقرآن يخاطب العقل، لا يُكره أحدًا، ولا يَجرُّ إنسانًا إلى الإيمان جَرًّا. لا يُخاطب الناس بعنف، ولا يُملي أوامره عليهم إملاءً جافًّا، بل يفتح أمامهم المشهد، ويحثهم على النظر والتفكر، ويوقظ فيهم الوعي الفطري والبصيرة. فلا يقول لهم: "الدين هكذا فآمنوا!"، ولا: "هذه العبادات اتبعوها بلا نقاش!"، بل يدعوهم إلى استخدام العقل، ويعرض لهم الحق والباطل، ويترك لهم حرية الاختيار.
طريقان إذًا أمامك... كما تتفرّع طريقان أمام سائق المركبة: له أن ينحرف إلى اليمين ويصعد الجبل فيصل إلى القمة، أو أن ينحرف إلى اليسار فيهوي في الهاوية. وكالتلميذ الذي أمامه خياران: أن يدرس فينجح، أو أن يكسل فيفشل.
لك الحرية الكاملة أن تختار ما تشاء. يا له من طرحٍ رائع! ويا له من أسلوب يحمل كل سمات الإنسانية والتكريم.



