تدّعي أنك تعلم كل شيء، أليس كذلك؟ إذًا دعني أسألك: ما هو (Aquaglose)؟ لا تعرف؟ حسنًا، فماذا عن (Hydrablim)؟ تجهله أيضًا؟ لا بأس. إذًا أخبرني: ما هو (Pelagiaskura)؟ لا تعرف هذا أيضًا؟ إذًا اسمح لي بسؤال أخير… ما هو (Coymozare)؟ لا إجابة؟ لا فائدة إذًا من سؤال من لا يملك جوابًا!
دعني أقدّم لك تلميحًا. هل سمعت يومًا بقطرة الماء (drop of water)؟ تلك القطرة تُكوّن جدولًا صغيرًا، والجداول تتحد لتُشكّل نهرًا، والأنهار تصبّ في البحار، والبحار جزء من المحيطات (oceans). وأنت لا تعرف إلا حتى المحيط، أليس كذلك؟ خيالك المائي يبدأ بالقطرة وينتهي هناك.
لكن يا أخي، استمع جيدًا: فوق المحيط يوجد (Aquaglose). حاول أن تتخيّل مدى ضخامته إذا كان المحيط أكبر من النهر بأضعاف. فكم يكون حجم (Aquaglose)؟ وليس هذا سوى البداية. فوقه يوجد (Hydrablim)، حيث تعادل موجة واحدة فيه محيطًا كاملًا. ثم يأتي (Pelagiaskura)، أضخم من (Hydrablim) بمليارات المرات. وأخيرًا، فوق الجميع، يوجد (Coymozare)، الذي يفوق (Pelagiaskura) بعشرات التريليونات من المرات.
الآن، دعك من مكانك قليلًا. اجلس في هدوء، وارتشف كوبًا من القهوة الساخنة، ثم استخدم فكرك بقوة وتأمل بعمق. في أحد الطرفين توجد قطرة واحدة — (drop). وفي أقصى الطرف المقابل… (Coymozare).
تأمل هذا التسلسل المنظّم في تطور الماء: من قطرة بسيطة إلى أرفع حالاته وذروته العليا. فكّر بعقلك كيف يكون شكل هذا الامتداد؟ كيف تنمو هذه المراحل بتدرّج دقيق؟ ما هي صورة تلك القمّة العليا؟. حرّك ذهنك، وامزج خيالك، واستخرج الصورة بعين الفكر.
ثم اقرأ هذا بهدوء: في الأيام الماضية، اختفت شابة من قريتها، ويُعتقد أنها هربت مع عشيقها. قالت نساء من القرية إنهن رأين شابًا وفتاة يسيران معًا مساءً على حافة الحقول. صاحب محل الدجاج في البلدة ذكر أنه رأى شابًا مألوف الملامح وفتاة ترتدي شروالًا بنفسجيًّا (violet). وهناك من قال إنها اشترت شوكولاتة من المخبز، وشربت شايًا من الفندق قرب المدرسة. وفي فجر اليوم، قبضت الشرطة عليهما من شقة في المدينة.
حين سمعت هذه القصة، اسأل نفسك: ما الذي خطر ببالك حين سمعت كلمات مثل "القرية، الحقول، الحافة، موقف الباص، المخبز، محل الدجاج، المدرسة، الفندق، المدينة، البنفسجي، الشقة"؟ فكر لثلاث دقائق فقط، وستجد أن ذهنك ذهب إلى قريتك أو إلى مكان تعرفه، عشته أو رأيته أو مررت به.
حين يقرأ هذا النص ألف شخص، فلكلٍّ منهم في ذهنه ألف صورة وانعكاس، وهذا هو الطبيعي!
فدعني أسألك: عندما تحدّثنا أولاً عن تسلسل الماء من القطرة حتى (Coymozare)، ألم تلحظ أن الحماس لم يكن بالحجم نفسه؟ إلى أي مدى تعاون ذهنك معك حينها؟ أليس بعد مرحلة معينة بدأت تشعر بالتيه؟ هذا هو المقصود تمامًا.
في الفصل السابق، تأمّلنا في لانهائية الزمن. فلنجرب الآن التفكير بالعكس: في أزليّته. عندما نقول: 500 ميلادي، 3000 أو 4000 قبل الميلاد، فإنها أرقام لها وقع مفهوم، يسهل على العقل استقبالها.
لكن حين نقول: عشرة مليارات، مليون، مليار، تريليون، كوادريليون سنة في الماضي، أو نأخذ رقمًا هائلًا ونضربه بنفسه، ومع ذلك نستمر بالتراجع إلى الخلف، ثم إلى الخلف، ثم إلى الخلف دون نهاية… فنصل إلى ما لا نهاية له، إلى "الأزل" — أليس عندها يصبح الفهم أوضح وأسرع؟ الأمور حينها تنجلي بوضوح.
ابدأ بإسقاط الغرور، وانفض غبار التوهم، وصقِل فكرك، وتخلَّ عن قيد "أعرف كل شيء". تأمّل في قول الله تعالى في نهاية إحدى الآيات: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾، وفي بداية الآية التالية: ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا﴾.
كم هو صادق هذا الوصف! فالمعارف التي يمكننا إدراكها وفهمها محدودة جدًّا، وغالبًا ما ترتبط بما يشبه ما نعيشه ونعرفه في محيطنا. لكن كلما ابتعدنا عن هذا المألوف، واتجهنا نحو المجرد، نحو ما وراء الكون، نحو عوالم لا مادة فيها، كلما ازداد الغموض، وخفَّ الوضوح، واضطرب الإدراك.
ولن نستطيع معرفة خالق الكون معرفة صحيحة إلا إذا أدركنا تمامًا هذا الضعف الجذري في قدراتنا البشرية.
فهو خالق هذا العالم بأسره، وكل ما سواه مخلوق مصنوع. أما هو سبحانه، فمتعالٍ عن الكون، لا يشبهه شيء، ولا يربطه به زمان ولا مكان، ولم يكن له بداية، ولم يخلقه أحد.
وجوده لا يشبه شيئًا مما عهدناه من صفات المادة في هذا الكون. تجربتنا مع الماء مثلًا تبدأ بقطرة وتنتهي عند البحر، لكن حين تحدّثنا عن أربع طبقات فوق البحر، اضطرب القلب — والسبب؟ أننا لم نرها، ولم نعرفها، ولم نألفها.
فكيف نُصرّ بعد ذلك على تصوّر الخالق الأزلي، الذي لا يحويه مكان، ولا تُدركه الحواس، وكأنّه شيء من عالمنا المألوف؟ ما معنى هذا الإلحاح على تمثّله في عقولنا كما نُمثّل الأشياء المادية التي نعايشها كل يوم؟
إن كنا نفهم بسهولة كل ما حولنا من مخلوقات كالقطة والدجاجة وشجر النارجيل والموز، ثم نقول إننا لا نستطيع إدراك الخالق وحده، فهل في هذا منطق؟ بالطبع لا. فحتى أعقل البشر تعجز عقولهم عن الإحاطة الكاملة بعوالم كثيرة، ومعارف غيبية، ومجالات لا تُرى. فكيف نُطالب إذًا بإدراك الله سبحانه، المتعالي عن كل ذلك، إدراكًا تامًّا؟
سؤال في محلّه، وسنوضّح الجواب تفصيلًا.



