ما يرفعه النبي محمد ﷺ دليلاً على نبوّته هو كتاب أدبيّ. وحين نتحدّث عن الأدب، تتبادر إلى أذهاننا أنماط مثل الرواية، والمسرحية، والقصّة، والقصيدة. لكننا لم نسمع قط عن أحد ألّف عملاً أدبيًّا ثم زعم أنه يخلو من التناقض والخطأ، وأنه يفوق كلّ ما سواه، وأن البشر عاجزون عن الإتيان بمثله! ولم يُسجَّل في التاريخ شيء من هذا القبيل. وذلك لأن معظم الأعمال الأدبية هي وليدة الخيال، ولا يتجاوز وجودها حدود العالم المتخيَّل. نعم، تُعدّ مرآة إبداعية للحياة الاجتماعية في زمنها.
ومع ذلك، لا نجد أحدًا بعد قراءته لـ هاملِت (Hamlet) يشدّ الرحال إلى الدنمارك (Denmark) ليتحقّق من صدق ما ورد فيه، أو يبحث عن غيرترود (Gertrud) وأوفيليا (Ophelia). وكذلك، لا يقوم قرّاء چمّين (Chemmeen) بالتحقيق في وثائق أو شهادات ليتأكدوا ما إذا كان ثكّازي (Thakazhi) قد أخطأ بشأن كورثمّا (Koorathamma) ووباريكُتّي (Pareekutti). كما أن من استمتعوا بقصة ناراناتهو براندن (Naranathu Brandhan) لا ينطلقون باحثين عن عنوان الأم التي أنجبت اثني عشر ولدًا. ذلك لأن ما كان من نسج الخيال، لا يُطلب له شاهد من الواقع. ولهذا، فإن مثل هذا التحدي لا محل له.
إذا كان الأمر كذلك، فما مغزى أن يتحدّى النبي محمد ﷺ الناس بكتاب أدبي؟ وحتى نفهم ذلك، لا بد من معرفة طبيعة هذا الكتاب: هل هو قصة؟ أم شعر؟ أم رواية؟ أم مسرح؟ أم سيرة ذاتية؟ أم وصف لرحلة؟ أم مقالة أو تحليل؟ أم هو من الأساطير والحكايات القديمة؟ ما مضمون القرآن؟ وما أسلوبه في العرض؟ وتحت أي نوع من أنواع الأدب يمكن تصنيفه؟
بكلمة موجزة: فالقرآن ليس رواية، ولا قصيدة، ولا سيرة، ولا حكاية، لكنه مع ذلك يتضمن من هذه الأجناس كلها. وليس هو كتابًا يُقصد للتسلية أو لافتتان الحكاية، ولا هو رواية مأساوية تسوق القارئ إلى الانهيار، ولا أدبًا غزليًّا يفيض بإثارة العبارات. بل هو كتاب استثنائي يوقظ الإنسان لينظر إلى الحياة بوعي وتدبّر، ويدفعه إلى رحلة بحث عن السعادة الخالدة، ويهديه إلى فهم أعمق لغاية الوجود وحقيقة المصير. إنه أدب فوق المعتاد.
إذاً، فإن طبيعة الكتاب الذي يمكن عليه أن يطلق مثل هذا التحدي، يجب أن تكون قائمة على معالجة شؤون الحياة الواقعية للإنسان ونظام الكون بعين الحقيقة والموضوعية، لكن دون أن تأتي في أسلوب ذهني جاف يبعث على الملل، بل ينبغي أن يُصاغ بأسلوب بيانيٍّ ساحر يأسر القلب، فيمزج بين عمق المعنى وجمال التعبير.
حين نتحدث عن المحتوى والوقائع، فلا بد أن يكون الكتاب من النوع الذي يمكن القول بشأنه: "هذه العبارة التي وردت هنا، أو هذه الحادثة التي ذُكرت، غير صحيحة لأن..." — أي أن يكون قابلاً للتحقيق والنقد بالرجوع إلى المصادر الأخرى. ونحن نعلم تمامًا ما هي المواضيع التي يمكن فيها ذلك.
أولها: التاريخ (History). فكتابٌ يؤرخ لحدثٍ ما يمكن مراجعته وتحليله مقارنةً بالوثائق والمصادر التاريخية الموثوقة والدراسات الأكاديمية، ومن ثم اكتشاف ما فيه من أخطاء.
ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك؛ فحتى في أشهر كتب التاريخ، ظهرت لاحقًا أخطاء تم إثباتها. فـ "هيرودوت" (Herodotus) الملقب بأبي التاريخ (Father of History) واجه انتقادات لاحقة لما في رواياته من تعارض مع الحقائق. وكذلك Richard Hakluyt في كتابه "Principal Navigations"، وStephen Ambrose في "Band of Brothers"، وكلاهما من الأعمال المشهورة التي وُجّهت إليها انتقادات لاحقة لكثرة ما فيها من مغالطات وتوصيفات غير دقيقة.
ثانيًا: العلم (Science) بطبيعته يتطوّر باستمرار، ويخضع للتعديل والتصحيح مع تقدّم الفهم والملاحظة. لذا، إن ألّف أحدهم كتابًا علميًا في وقتٍ ما، فإن تغيّر النظرة العلمية لاحقًا قد يؤدي إلى مراجعة ما ورد فيه، واعتباره خطأ. ويكفي النظر في تاريخ العلم (History of Science) لنرى أمثلة عديدة على ذلك.
من أبرز الأمثلة: نظرية "الفلوجستون" (Phlogiston theory) التي قدّمها "ج. ج. بيشر" (J. J. Becher) في القرن السابع عشر، حيث زعم أن المواد القابلة للاحتراق تحتوي على مادة تُدعى "الفلوجستون"، تنفصل عنها أثناء الاشتعال. لكن في أواخر القرن الثامن عشر، فنّد "أنطوان لافوازييه" (Antoine Lavoisier) هذه النظرية من خلال تجاربه، مبينًا أن الاحتراق يحدث نتيجة تفاعل كيميائي مع الأكسجين (Oxygen)، فانهارت النظرية وزال الاعتقاد بها.
على نحوٍ مماثل، انهارت نظرية "الحالة الثابتة" (Steady State Theory)، التي قدمها عام 1948 كل من "فريد هويل" (Fred Hoyle)، و"توماس غولد" (Thomas Gold)، و"هيرمان بوندي" (Hermann Bondi)، والتي كانت تزعم أن الكون لا بداية له ولا نهاية، إثر اكتشاف "الإشعاع الخلفي الكوني الميكروي" (Cosmic Microwave Background) عام 1965 على يد "أرنو بنزياس" (Arno Penzias) و"روبرت ويلسون" (Robert Wilson)، إذ بيّن هذا الاكتشاف أن للكون بداية حقيقية، فانتهت بذلك صلاحية النظرية وسقطت من الاعتبار.
من الجدير بالذكر أن الخطأين العلميّين السابقين يُعدّان من الأمور الطبيعية في مسار المعرفة، إذ إن العلم يقوم على الملاحظة والاستنتاج، وهو نتاج عقل الإنسان وتجربته، وبالتالي فإن الوقوع في الخطأ أمر وارد، وتصحيحه عند انكشافه لا يُعدّ عيبًا. غير أن سجلّ التاريخ العلمي لا يخلو من فضيحة أخلاقية نادرة، تمثّلت في ترويج خداع متعمّد باسم العلم، ثم انكشافه على خلافه.
هذا.. في زمنٍ مضى، روّج بعضهم باسم العلم لفكرة أن الكون بلا خالق، وأن الإنسان لم يُخلق بل تطوّر من سلالة القردة. لكن غابت عنهم "الحلقة المفقودة" (Missing Link) التي تربط بين الإنسان وسلفه المزعوم، فواجه المجتمع العلمي مأزقًا كبيرًا. ولإخفاء هذا النقص، وتثبيت نظرية التطور بأي ثمن، لجأ بعضهم إلى الخداع، فادّعوا في عام 1912 أنهم وجدوا في "بيلتداون" (Piltdown) بإنجلترا أحفورة مكوّنة من جمجمة وفك، وزعموا أنها تمثّل الكائن الوسيط، وأطلقوا عليها اسم "رجل بيلتداون" (Piltdown Man).
حين تبنّى المجتمع العلمي نظرية التطور (Theory of Evolution)، جرى الترويج لها عالميًا، واعتمدت في المناهج التعليمية بوصفها حقيقة علمية ثابتة. لكن الواقع أن عظام الفك كانت لقرد كبير من نوع أورانغوتان (Orangutan)، وقد أُضيفت إليها جمجمة إنسان حديث (Modern Human Skull) لتصنيع دليل مزيف.
لقد كان ذلك تزييفًا محكمًا، استُخدم لعقود كدليل مزعوم لصحة النظرية. ولم يُفضح أمره إلا في خمسينيات القرن العشرين مع تطور وسائل التأريخ الحديثة (Dating Methods)، حين تبيّن أن مجموعة من الباحثين خدعوا العالم بأسره. وهو ما يبرز كيف يُستغل اسم العلم أحيانًا لترويج أفكار باطلة وخداع الناس، رغم أن طبيعة العلم تقبل المراجعة والتصحيح.
الذي يستحق التأمل هنا هو أننا نتحدث عن كتاب ديني مضى عليه أكثر من 1400 عام، ومع ذلك لم يُثبت في أي وقت أن فيه تصريحًا علميًّا واحدًا تبيّن خطؤه أو تعارضه مع الواقع. أليس هذا تحدِّيًا عظيمًا؟! تَفكَّر في عمق هذا الادعاء، وسعته، وآثاره! أليس بإمكان أي أحد أن يُسقِط هذا القرآن وما يؤمن به ملايين البشر لو أثبت فقط أن مبدأً علميًا واحدًا ورد فيه غير صحيح؟ فأين أنتم إذًا؟
ثالثًا: التنبؤ بالمستقبل، وهو من أسهل الطرق لكشف زيف أي كتاب يدّعي الإخبار بالغيب. فإذا تنبأ كتابٌ بوقائع محددة في زمان معيّن، وانتظر الناس حدوثها فلم تقع، سقط بذلك صدقه. تمامًا كما نرى في الانتخابات، يظهر من يتنبأ بالنتائج، ثم إذا خاب ظنه اختفى من المشهد. وكما يحدث أحيانًا في توقعات الطقس، يُعلن عن أمطار غزيرة فتُعطل المدارس، ثم تفاجئنا شمسٌ حارقة في اليوم التالي.
فإن كان كتابٌ يزعم أنه هداية من الله، وتضمّن نبوءات لم تتحقق، أليس ذلك كافيًا لإسقاطه؟! إذ يكفي أن يُثبت واحد فقط من هذه التنبؤات أنه لم يقع، فيُبطل بذلك دعوى صحة الكتاب بأكملها. فأين من يحاول ذلك؟ قدّم إلى الأمام....



