لم يُرسل الله أي مخلوق غير بشري كنبي للبشرية. فمنذ القِدم أثار البعض الشكوك حول أهلية البشر لتلقي النبوة، ولم يكن من السهل على كثيرين أن يصدقوا أن نبيًا يمكن أن يكون إنسانًا مثلهم. وكان تساؤلهم: "كيف يكون النبي إنسانًا؟ أليس هو مثلنا؟" لقد ظنوا أن الأنبياء ينبغي أن يكونوا مخلوقات فوق بشرية. ومثل هذا التفكير هو ما دفع بعضهم إلى تأليه البشر، وعندما بُعث النبي محمد ﷺ أثار بعض أهل مكة مثل هذه الشكوك. وقد نقل القرآن هذا الاعتراض بقوله: "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولًا" (الإسراء: 94)
ومن خلال آيات القرآن يتبين أن هذا المنطق كان متكررًا عبر العصور. فعندما بُعث نبي إلى قوم ثمود، قال المترفون الذين كفروا ورفضوا الإيمان بالآخرة واغتروا بزينة الدنيا "ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون. ولئن أطعتم بشرًا مثلكم إنكم إذًا لخاسرون." (المؤمنون: 35-34)، وقالوا أيضا: "أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون" (المؤمنون: 47). وقالوا في موضع آخر: فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (القمر: 24)
لقد اعتبروا أن مجرد كون النبي إنسانًا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أمرٌ ينتقص من مقام النبوة، ولم يستطيعوا تخيل النبوة في هيئة بشرية.
وكان رد الأنبياء على مثل هذا التفكير واضحًا، كما نقل القرآن قولهم: "قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده." (إبراهيم: 11)
كان تساؤلهم: "لماذا لا يُنزّل الله إلينا مَلَكًا يُرينا كل ما يُقال؟" قال تعالى:
"وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا." (الفرقان: 21)
وقالوا أيضًا: "وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لولا أُنزِل إليه ملكٌ فيكون معه نذيرًا." (الفرقان: 7)
حتى من منظور العقل والمنطق فإن كون الأنبياء من البشر هو أمر لا بد منه. فلا يمكن أن تتحقق أهداف الرسالة إلا إذا كان النبي المبعوث من جنس من يُراد هدايتهم. فلو بُعث إلى البشر مخلوقٌ من غير جنسهم، لما تمكن من مخالطتهم وتربيتهم والعيش بينهم، كما لا يستطيع الطيور أن تجعل من الحيوانات قدوة، ولا العكس. ولو أُرسل ملك كما كانوا يتمنون، لكان ذلك عبثًا؛ لأن طبيعة الملائكة خفية عن أعين البشر، ولا يمكن لهم رؤيتهم.
حتى النبي الأعظم ﷺ وهو أشرف الخلق لم يرَ جبريل عليه السلام في صورته الحقيقية إلا مرتين فقط، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. وقد بدى جبريل يومها كأنه ملأ الأفق بأسره وله ستمائة جناح. وكانت تلك المشاهد عظيمة الأثر على جسد النبي ﷺ، ويذكر التاريخ أن جبين النبي صلى الله عليه وسلم تتصبب عرقاً بشكل واضح كما لو كان من شدة الحر عندما نزل عليه جبريل بالوحي، حتى في الوقت الذي كان جسده متجمداً من شدة الشتاء من شدة ما يحمل الوحي من ثقل وهيبة.
وذُكر أيضًا أنه في إحدى المرات، جاءه الوحي وهو راكب خلف أحد الصحابة، وكان ﷺ قد وضع قدمه على قدم الصحابي، فقال الصحابي بعد ذلك: "خشيت أن تُكسر ساقي من شدة ثقل الوحي، وكان ذلك بسبب مهابة وثقل الوحي رغم مجيء جبريل بصورة غير مرئية، أما الإنسان العادي فلا يمكنه أن يعاين جبريل.
حتى ولو جاء المَلَكُ في صورةِ إنسان لا يمكنه يقوم بالتبليغ والإرشاد وأن يُقَدِّم نموذجًا للحياة. فبعثة الملك لم يكن ليكون حلاً منطقيًا، لأن الناس سيضطرون حينها إلى التمييز أهو مَلَك أم إنسان؟ فَيَجِبُ أن يُوضَعَ معيارٌ لتحديد ذلك. فخلاصة الكلام لا يمكن أن يكون قدوةً للناس إلا بشرٌ صالح من بني جلدتهم. وهؤلاء البشر الصالحون هم الأنبياء. ولهذا فإن الاعتقاد بأن الأنبياء يجب أن يكونوا ملائكة أو تجسيدًا للإله، هو اعتقادٌ خاطئ وغير منطقي، كمن يظن أنهم آلهة أو تجليات إلهية.
بالمناسبة يجب التنبيه إلى أن الاعتقاد بأن الأنبياء بشرٌ عاديون مثلنا تمامًا، ليس صحيحًا كذلك. ولنُنهِ النقاش الآن ببيتٍ من الشعر قاله شاعرٌ عربيٌّ ملهَم في وصف النبي محمد ﷺ:
محمد بشر لا كالبشــر بل هو كالياقوت بين الحجر.
يقول القرآن الكريم في خطابٍ للنبي ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِم﴾ (الأنبياء: 7)



