رغم أن مفهوم التجسد الإلهي (أفاتار) في الفلسفات الهندوسية ومفهوم النبوة يتقاربان من حيث المبدأ، إلا أن بينهما فرقًا واضحًا من الناحية الجوهرية. فكلمة "أفاتار" تعني حرفيًا "النزول" أو "الهبوط". ومفاد هذا المفهوم هو أن الله نفسه ينزل إلى الأرض ليهدي الناس إلى طريق الحق عندما يبتعدون عنه، وليعيدهم إلى سلوك الدارما (الفضيلة). أما في الرؤية الإسلامية، فلا يُعتقد أبدًا أن الأنبياء آلهة أو أنهم يملكون صفات الألوهية، بل هم بشر، وليس القرآن فقط من يوضح هذا، بل جميع الكتب السماوية السامية قد أوضحت ذلك بجلاء. فعلى سبيل المثال، المسيح عيسى عليه السلام الذي نُسب إليه لقب "ابن الله" في ما بعد، قد تكلم ضد هذا المفهوم في وقت مبكر. وقد نقل إنجيل يوحنا عن اليسوع قوله: «إنما جئتكم مجرد إنسان» عندما حاولت اليهود قتله، بعد أن أعلنوا عنادهم وتمردهم وعدم إيمانهم. "الآن تحاولون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعته من الله." يوحنا (8:40). وقد أعلن القرآن الكريم بوضوح في سورة الإخلاص "لم يلد ولم يولد" (الإخلاص: 3). كما أُمر النبي محمد ﷺ أن يقول: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ" (الكهف: 110). وهذا يعني أن الأنبياء كانوا يمتازون عن غيرهم من البشر بالعلم المستمد من الوحي الإلهي والسيرة النموذجية رغم طبيعتهم البشرية وصفاتهم الإنسانية. أما مفهوم التجسد، فيتضمن إما أن الله يلبس جسدًا بشريًا، أو أن يدخل في جسد أحدهم . وهذا المفهوم لا يتفق إطلاقًا مع مبدأ التوحيد الذي يطرحه الإسلام. فالله في العقيدة الإسلامية هو منزه عن كل صور التشبيه والتمثيل. يقول القرآن: "سبحانه وتعالى عما يصفون". (الأنعام: 100)
النبي هو عبد لله!
إن العلاقة بين النبي وربه ليس إلا علاقة "عبد وسيد"فضلا عن أن يكون هناك شخصية إلهية أو شخص يحمل عنصرا من عناصر الألوهية. لقد وصفهم القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا بأنهم "عباد"، وهذا من أعظم أوصافهم. لقد مرّ على الأنبياء، كغيرهم من البشر تجارب شاقة ومحن عظيمة.
ومن أعجب ما يُذكر في سيرة النبي محمد ﷺ هو حادثة "الإسراء والمعراج"، حيث أسرى الله به ليلاً من مكة إلى القدس، ثم عرج به إلى السماوات السبع وما بعدها، وعاد في نفس الليلة. وقد ورد هذا في بداية سورة الإسراء. وحتى في هذا المقام الرفيع، وصفه الله بكلمة "عبده"، فقال: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً..." (الإسراء: 1). وهذا يُظهر أن أعلى مقام للأنبياء عند الله هو أنهم "عباد الله". لقد وصف الإنجيلُ ذاتُه في أكثر من موضع المسيحَ عيسى عليه السلام الذي ادّعى المسيحيون ألوهيته و"بنوة الله" بأنه "عبد لله".
الأنبياء هم أشرف الناس. إن أرفع مقام يمكن أن يبلغه الإنسان هو مقام النبوة، والأنبياء وإن بلغوا أعلى الدرجات الروحية فإنهم لا يخرجون أبدًا من دائرة "العبودية" لله. فالأنبياء هم مختارون من الله، وقد أُرسلوا لمحو الباطل وإقامة الحق، ولكنهم ليسوا معبودين. بل هم عباد لله، اختارهم ليُعرّفوا الناس بالمعبود الحق.



