القرآن الكريم يحث على التأمل في أصل خلق الإنسان، وعلى التفكير في تعقيدات الظواهر الكونية المذهلة. ويقدم لنا مراراً وتكراراً النصائح لتحقيق هذا الغرض.
ومن أبرز هذه الدعوات قوله تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (العنكبوت: 20). كما يصف كيفية خلق الإنسان (ص: 71-72)، ويناقش نظام الكون ودقته (الأعراف: 185، يونس: 101)، ويحث على البحث والتفكر العميق لفهم أسرار الخلق. بل إن القرآن يقدم البحث العلمي كجزء من العبادة، ويرى في التأمل في عجائب الخلق وسيلة لفهم معنى الحياة وسرها، وهو مسؤولية المؤمن. والمعرفة العميقة بأسرار الخلق تكشف عن عظمة الخالق.
منذ العصور القديمة، كان العديد من العلماء المسلمين وغير المسلمين يفترضون أن التنوع الحيوي على الأرض قد تطور من أصل عتيق مشترك، لكن لم يتم حتى الآن إثبات نظرية التطور علميًا بدليل قاطع ونهائي يُجمع عليه الجميع.
ومع ذلك، فإن قبول فكرة التطور ليس أمرًا صعبًا على المؤمن؛ لأن هذه الدراسات لم تدفع الفلاسفة والعلماء المسلمين إلى الاعتقاد بأن إيمانهم بالله خاطئ أو بحاجة إلى إعادة تفسير. فنظرية التطور لا تناقش أصلا عن نشأة الحياة بل إنما يناقش كيف تم توريد الحياة في العالم البيولوجي المتنوع. وبالتالي، فإنها لا تنكر وجود الله أو قدرته، كما أساء البعض فهمه (وكما ينشره آخرون لمصالحهم الأنانية). الإيمان الإسلامي يرى أن الكون وكل ظواهره وقوانينه لم تنشأ من حدث واحد عشوائي، بل وُجدت من خلال مراحل مختلفة. فعندما خلق الله آدم من طين، وخلق بقية البشر من نطفة، فإن ذلك يدل على عظمته وقدرته على إحداث تطور مختلف. وهذا لا يتعارض مع الإيمان على المستوى العقلي. ولا تعتبر هذه المفاهيمُ باطلةً وخالية من المعنى والقيمة إلا إذا تعارضت مع الأقوال الواردة صراحةً في كلام الله القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة التي هي بمثابة تفسير كلام الله تعالى.
وكما تقول الكتب السماوية السامية فإن آدم عليه السلام خلق مباشرة من الله، وكذلك حواء، ثم بعد ذلك أصبحت العلاقة بين الذكر والأنثى هي وسيلة التناسل. ومع ذلك -حتى بعد آدم- قد خلق الله بعض البشر مباشرة.
نقرأ في القرآن عن دعاء نبي الله زكريا عليه السلام الذي كان شيخًا ضعيفًا طاعنا في السن وكانت زوجته عاقرًا لا تنجب، ومع ذلك لم ييأس، بل دعا الله أن يرزقه ولدًا. فاستجاب الله دعاءه ووُلد له يحيى عليه السلام. علميًا، لم يكن من المتوقع أن ينجب هذان الزوجان، لكن الله رزقهما طفلا بطريقة إعجازية.
كان لمريم عليها السلام تجربة مماثلة، لم يمسّها رجل، ولم تكن لها علاقة جنسية من قبل. وقد قالت ذلك بنفسها للملَك الذي جاء ليبلغها بإرادة الله في أن ترزق بولد. فميلاد عيسى عليه السلام كان خروجا عن نظام التناسل المألوف، وهو تدخّل إلهي مباشر، متجاوز للأسباب المعتادة التي وضعها الله في الخلق.
هذا الكون بأسره يسير بمشيئة الله، ووفق القوانين التي قدّرها. لا أحد يُملي عليه شيئاً، ولا يُعجزه أن يتدخل تدخّلاً خارقاً للعادة، فكل شيء هو خَلقه، وله أن يختار: أيسير الأمر وفق السنن التي وضعها، أم بتدخّل مباشر منه.
يُعتبر آدم -عليه السلام- في العقيدة الإسلامية ليس فقط مخلوقاً مباشراً من الله، بل هو أبو البشرية أيضاً. وهذا لا يعني استبعاد احتمال وجود بشر أو كائنات شبيهة بالبشر قبله، بل المقصود أن آدم -عليه السلام- هو الأصل الأول لكل البشر الموجودين حاليًا.
وقد ورد في القرآن الكريم حوار بين الله والملائكة لحظة خلق آدم: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ۖ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة: 30). وقد فسّر بعض المفسّرين هذا الوصف "خليفة" وما تبعه من ذكر الفساد وسفك الدماء على أن الأرض كانت مأهولة بكائنات شبيهة بالبشر قبل خلق آدم عليه السلام. وقد رجّح البعض أن هؤلاء كانوا من الجن، وربما من أجناس أخرى مثل "البِنّ" و"الهِنّ" ، ويرى البعض الآخر أن الجن قاتلوا "البِنّ" و"الهِنّ" وغلبوها، كما ذكر بعض المفسّرين. وهناك من سماهم الطَّم والرَّم. كائنا ما كان كل هذه البيانات يدعم الرأي القائل بوجود مخلوقات بشرية على وجه الأرض أظهرت غرائز حيوانية عدوانية وطبائع همجية، فهاجم بعضها البعض، وأحدثت الفوضى، وأراقت الدماء.
ولنقرأ مع ما ذكر الآيتين التاليتين من سورة الأنعام: "وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ" (الأنعام: 132-133).
وقد ورد في الأحاديث أن طول آدم -عليه السلام- كان غير معتاد، إذ كان عظيم الخلقة بشكل خارق. وهذا يدل على أن هناك تغيّرات جينية قد حدثت تدريجيًا حتى وصل الإنسان إلى هيئته الحالية. كما يشير القرآن الكريم إلى أن بعض الأقوام السابقة، الذين تمردوا تمردًا شديدًا قد مسّهم الله بعقوبات، منها أن حوّلهم إلى خلق آخر. وقد دَعَا النبي صلى الله عليه وسلم ربه بأن لا تصيب أمته مثل هذه العقوبات، كما ورد في بعض الأحاديث. كما أن هذه الأحاديث تشير إلى أن مثل هذه التحولات قد تعود وتحدث قبل قيام الساعة. وإن كانت هذه التحولات لا تُشبه التغيرات الشكلية الناتجة عن الطفرات الجينية عبر عملية استغرقت ملايين السنين، كما هو مفترض في مفهوم التطور، إلا أن كل هذا يدل على أن الله قادر على ذلك أيضاً. فكل هذا داخل في نطاق قدرته المطلقة.
إن مفهوم التطور ينص على أن كائنًا آخر تحول إلى إنسان منذ حوالي مئتين وخمسين أو ثلاثمائة ألف سنة. أما بالنسبة لعصر آدم عليه السلام فلا يتجاوز عشرة آلاف سنة كحد أقصى. وهذا يعني أنه لا يوجد أحد يدعي أن آدم كان كائنًا آخر تطور ليصبح إنسانًا. إن ما يمكن قوله -في أقصى تقدير- هو أنه وُجدت كائنات شبيهة بالإنسان قبل ذلك. حتى في الاحتمال البعيد، إذا تم إثبات صحة نظرية التطور علميًا، فإن ذلك لا يتعارض مع عقيدة الخلق، ولا مع المعتقدات الإسلامية، ولا مع الحقائق التي تم توثيقها تاريخيًا.
بالمناسبة هناك نقطة أخرى يجب الإشارة إليها قبل الانتقال إلى الموضوع التالي. من الممكن القول بدون شك أن العمر المذكور للبشر في النصوص الهندوسية القديمة، التي تعرف بأنها مختلفة عن النصوص السامية، لا يتوافق مع التحليلات العلمية. على سبيل المثال، يقال أن شري رامان عاش في "تريتا يوجا" (العصر الثاني)، وأن مدتها كانت 12,96,000 سنة. ويقال أيضًا أن متوسط عمر الإنسان في ذلك الوقت كان 10,000 سنة. لكن لا توجد أي دراسة علمية تقول بأن إنسانًا عاش لمدة 10,000 سنة. وكذلك القول بوجود البشر الحديثين (Homo sapiens) قبل 1,296,000 سنة ليس صحيحًا. لذلك، يُعتبر هذا مجرد خيال قصصي بعيد عن الواقع، ولا يُنظر إليه على أنه شيء قابل للتقد



