ومع ذلك، أشار القرآن إلى أن الله أوحى إلى بعض النساء، كأمهات الأنبياء موسى وعيسى عليهما السلام. وقد جاء عن عددٍ من كبار المفسرين مثل الإمام ابن الجوزي، والإمام السيوطي، والإمام مُقاتل بن سليمان، وغيرهم أن الصحابيَّ الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه عرَّف هذا النوع من الوحي بأنه الإلهام،. والإلهام هو نوعٌ من التبليغ الإلهي الذي يصل إلى الإنسان في ظروفٍ خاصة، إما عن طريق ملك، أو عن طريق الرؤيا. ولا يُعدّ هذا من وحي النبوة، ولا يُثبت به النبوة.ولا نستطيع الجزم لماذا لم يختار الله النساء كنبي، فالعلم بذلك عند الله وحده. قال تعالى:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: 124)
ومع هذا، يمكننا أن نفهم بعض الحِكَم الممكنة، ومنها:
أولًا: مهمة التبليغ والنذارة مسؤوليةٌ جسيمة تتطلب تضحيات وجهودًا تفوق ما يمكن إدراكه بالعقل البشري. وهي مهمةٌ شاقة تتطلب صبرًا وقوةً عظيمة، وقد تكون هذه المسؤولية الشاقة صعبةً على المرأة بطبيعتها، ولذلك كان امتناع الله عن تحملها هذه المهمة الشاقة رحمةً عظيمةً بها سبحانه.
ثانيًا: المرأة بطبيعتها الجسدية تثيرُ الرغبةَ الجنسية لدى الرجال بدرجةٍ كبيرة. فإنْ كانت المُبَلِّغةُ امرأةً، وتضطر إلى مخالطة مجتمعٍ كبير غالبيته من الرجال، فإن ذلك قد يؤدي إلى محادثات وتعاملات تُثير الشهوة وتُحدث اضطراباتٍ كثيرة، مما يُعَرْقِلُ أداء مهمة النبوة.
ثالثًا: القدرةُ على مواجهة تعقيدات الواقع وظروف الحياة المتشابكة باستجابةٍ فعالة ومنهج عمليٍّ حكيم هي من الخصائص الطبيعية التي يتميز بها الرجل. أما الطبيعة الأنثوية فهي عاطفية بطبيعتها. حتى النساء القويات اللاتي يتقلدن مناصب رفيعة نراهنَّ في كثيرٍ من المواقف الصعبة يتأثرن بالبكاء والانفعال. وهذا ما نراه في الساحة السياسية المعاصرة. وغالبًا ما تحتاج المرأة إلى دعم رجلٍ لمواجهة المواقف العصيبة. والنبوة من أثقل المسؤوليات وأشدها مشقة. وهي تتطلب اتخاذ قرارات دقيقة تتطلب الانتباه العميق والنظرة البعيدة. ويجب التعامل مع المشكلات الاجتماعية برؤيةٍ استراتيجية واستعدادٍ مسبق. وهذا كله قد لا يتناسب مع الطبيعة العاطفية للمرأة.
رابعًا: الأنبياء هم قادة المجتمع في مجالاته العلمية والدينية والروحية. وهم روادهم في العبادات، و مرجعهم في القضايا الفقهية التي تواجه الناسَ في حياتهم اليومية، وهم من يتحمل مسؤولية الدعوة، والإصلاح الاجتماعي، وقيادة النضال الأخلاقي عند الحاجة، وهم القدوة في مختلف المجالات. ولكن من الطبيعي أن المرأة لا تستطيع تأدية هذه المهام الخطيرة في فترات دورة الطمث أو النفاس، أو أثناء الحمل والولادة. ولو كُلِّفت المرأة بهذه الرسالة الثقيلة بغض النظر عن تلك الحالات الطبيعية الأنثوية لكان ذلك ظلمًا لطبيعتها الأنثوية وجورا في حقها.
خامسًا: الأمومة مسؤولية فطرية لا يمكن إنكارها عند المرأة. فقد خُلقت المرأة لتحتضن أطفالها وتُرَبِّيَهم، وتعتني بصحتهم الجسدية والعاطفية، وتغرس فيهم القيم، وتثير فيهم حب العلم والمعرفة. وهي التي زُوِّدت بجميع المؤهلات الطبيعية اللازمة لذلك. ولو حُمِّلت المرأة مسؤولية النبوة مع هذه المسؤوليات العائلية، لَكان ذلك عبئًا كبيرًا يقصم ظهرها ويشكل مشقة كبيرة عليهن تحول دون الوفاء بمسؤولياتهم تجاه أطفالهن وأزواجاهن.
ألا ترى، أن القرآن الكريم نفسه يُعلِّمنا أن المرأة يمكن أن تبلغ مراتب عظيمة في العلوم والمعارف والروحانية كالرجل، بل وربما أكثر. فالله سبحانه وتعالى جعل امرأتين – زوجة فرعون وأم النبي عيسى عليه السلام – قدوةً للمؤمنين والمؤمنات جميعًا، دون تمييز بين ذكرٍ وأنثى (التحريم: 11,12). إذن، فإنَّ تجنُّب اختيار النساء للنبوة والدعوة لم يكن تهميشًا لهن، بل هو تعبيرٌ عن رحمة الله بهن وتقديرٌ لطبيعتهن التي خلقهن الله عليها.
السيوطي. الدر المنثور، المجلد 6، ص 393.
مقاتل بن سليمان. تفسير مقاتل بن سليمان، المجلد 3، ص 336.
[1] ابن الجوزي. زاد المسير، المجلد 3، ص 375. ص 73.



