في تأمله للعالم المادي يطرح ابن خلدون مقدمة أساسية يقول فيها « إنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته ».
ويشير في "المقدمة" إلى أن وجود كل عناصر الكون يقوم على السيولة والتحول المستمر، بحيث تتطور في كل مرحلة إلى المرحلة التالية كسلسلة متصلة. وبحسب رأيه، فإن الكون بأكمله قائم على هذا الترابط (الاتصال).
ومن منظور فلسفي يكتب ابن خلدون عن بداية عملية الخلق عبر نماذج تطورية، قائلاً: « وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني وأولا عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا ويستحيل بعض الأوقات والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط»
بينما يعبّر عن بنية الطبيعة المرئية ومنهج سلسلة التطور، يكرر "المقدمة" الحديث عن استعداد الكون للتطور: « انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط »
بعد أن أشار إلى تطور العالم المادي من المعادن، ثم إلى عالم النباتات، وبعدها عالم الحيوانات، يتحدث ابن خلدون عن المرحلة الأكثر تعقيدًا من التطور، وهي انتقال الكائنات الحية من الحيوانات إلى الإنسان: « واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج الكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده »
يمكننا قراءة دراسات ابن خلدون البحثية في ضوء المفاهيم الحديثة للتطور والتي تشير إلى أن الكائنات البسيطة تتطور إلى أشكال أكثر تعقيدًا من خلال التكيّف (Adaptation) والانتقاء الطبيعي (Natural Selection). وهكذا فإن الترابط بين مراحل الخلق المختلفة والسلف المشترك لجميع الكائنات الحية والتطور التدريجي - كل ذلك يتماشى مع الفكر الدارويني. وتُعتبر مساهمته في الربط بين التفسيرات العلمية والفلسفية للحياة ذات قيمة لا تُقدَّر.
[1] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، المجلد ١، ص. ١٢٠، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ.
[3] المرجع نفسه، ص. ١٢٠-١٢١.
[4] المرجع نفسه، ص. ١٢١.



