عقيدة "الخطيئة الأصلية" (Doctrine of Original Sin) هي مفهوم ظهر في المسيحية بعد القرن الثالث، وتطوّر بشكل كامل لاحقًا على يد القس أوغسطينوس من هيبّو (354-430). ويُعتقد أن أوغسطينوس هو أول من استخدم مصطلح "الخطيئة الأصلية" (peccatum originale).
وفقًا لهذا المفهوم، فقد ارتكب آدم الخطيئة عندما أكل من الشجرة المحرّمة في جنة عدن، ونتيجةً لذلك، طُرد من الجنة. وبسبب هذه الخطيئة، ورث جميع أبنائه وكل البشر من بعده تلك الخطيئة، فيُولد كل إنسان خاطئًا منذ ولادته. وغالبًا ما يُستدل على هذا المفهوم بعبارة من العهد القديم تقول: "بالخطيئة وُلدت، ومن بطن أمي أنا خاطئ".
ووفقًا لهذا التصور، فإن الشقاء والموت دخلا إلى هذا العالم كعقوبة لخطيئة آدم. وبحسب تعبير بولس، دخلت الخطيئة إلى العالم من خلال إنسان واحد، ومن خلال الخطيئة جاء الموت.
وقد بُني على مفهوم الخطيئة الأصلية أحد الركائز الأساسية في العقيدة المسيحية الحديثة، وهو مفهوم "موت المسيح على الصليب". فوفقًا للفكر المسيحي، فإن دم المسيح الذي سُفك على الصليب كان بمثابة فداء وكفارة عن خطيئة البشر التي ورثوها من آدم، وأن المسيح غسل بدمه المسفوك تلك الخطيئة التي دخلت الأرض بمعصة آدم. ويؤمنون أيضًا بأنه "كما أن الجميع يخضعون للموت بسبب آدم، فإنهم سيبعثون في المسيح".
واستنادًا إلى مفهومي الخطيئة الأصلية والفداء بالموت على الصليب، يعتقد المسيحيون أن الهدف الرئيسي من مجيء المسيح إلى العالم هو إنقاذ البشرية من الخطيئة من خلال سفك دمه، لكن في الواقع لم يُصرِّح يسوع المسيح صراحةً بهذا الهدف في أقواله. بل إن روايات الكتاب المقدس حول حياة المسيح قبل حادثة الصلب قد تثير الدهشة لمن يقرأها؛ إذ لم يظهر منه أي رغبة أو استعداد للخضوع للموت. بل كان المسيح يسعى بكل جهده للهروب من مكيدة الصلب التي أعدها الجنود الرومان وكهنة اليهود بالتعاون مع بيلاطس.
فلو كان فعلاً يرى أن الصلب هو الهدف من مجيئه، لكان من الواجب عليه أن يواجه اليهود بشجاعة ويُكمل مهمته علنًا. ولكن ما حدث هو أن يسوع توقف تمامًا عن دعوته العلنية، وانعزل مع تلاميذه سرًا، كما جاء: "فمن ذلك اليوم تآمروا عليه ليقتلوه، فلم يعد يسوع يمشي بين اليهود علنًا، بل ذهب إلى مدينة اسمها أفرايم قريبة من البرية، وأقام هناك مع تلاميذه."
لقد كان اليهود يُخططون لاغتيال "ابن الإنسان" رسول الحق، فكان يسوع يدعو تلاميذه للاستعداد للمواجهة، بل وحتى للتسلّح بالسيوف إن لزم الأمر، إذ قال: "من كان له كيس، فليأخذه، وكذلك المزود. ومن ليس له سيف، فليبع ثوبه ويشترِ سيفًا." فقالوا له: "يا معلم، ها هنا سيفان"، فقال: "يكفي."
المؤمن الحقيقي بالله يجمع بين العمل والدعاء. فبعد أن يبذل أقصى جهده، يُسلّم الأمر كلّه لله القادر على كل شيء. فالدعاء بلا عمل والعمل بلا دعاء كلاهما ناقص. وهذا ما نراه في سلوك المسيح أيضًا. فبعد أن أوصى تلاميذه بالتجهّز بالسلاح، توجّه إلى الله بالصلاة قائلاً: "ثم تقدم قليلاً وخرّ على وجهه وصلى قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك."
كما جاء أيضًا: "وإذ كان في جهاد، كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض."
وفقًا لمفهوم أن "الابن الوحيد لله" قد ضحّى بنفسه لإنقاذ البشرية من لعنة الخطيئة الأصلية، فإن عدم وقوع صلب المسيح يعني أن البشرية كانت ستبقى، ولا تزال، غارقة في الخطيئة. لكن، من الذي أنقذ البشرية فعليًا من عبء الخطيئة؟ فلا إمكان أن يكون هو المسيح؛ لأنه حاول بكل ما أوتي من حكمة وحيلة النجاة من الصلب! فمنقذ البشرية من الخطيئة لهو يهوذا الذي خانه، واليهود التي طالبت بصلبه، أو بيلاطس الذي حكم عليه بالصلب، هم المخلّصون الحقيقيون! إذ لولاهم لما تمّ الصلب، ولا يوجد "الفداء" حسب الفكرة المسيحية.
حتى من ناحية عقلية، فإن الجمع بين مفهومي "الخطيئة الأصلية" و"الصلب" صعب التوفيق؛ فهل تُمحى الخطيئة إذا عوقب شخصٌ بريء مكان المذنب؟ هل تنتهي الشرور في المجتمع إذا قام الملك بصلب ابنه الوحيد؟ هل تختفي المعاناة والموت وآلام الولادة لمجرد إيماننا بأن يسوع قد صُلِب بدلاً عنا وسُفك دمه من أجل خطايانا؟
يرى العلماء المسيحيين أن الكتاب المقدس نفسه لا يدعم مفهوم الخطيئة الأصلية. ففي التوراة، أحد أهمِّ النصوص في العهد القديم: "لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء؛ كل إنسان بخطيئته يُقتل." وهذا يعني أن كل شخص مسؤول عن ذنبه، ويتحمّل العقاب بمفرده في الحياة بعد الموت، وهو ما علّمه جميع الأنبياء.
وقد وضّح النبي إرميا هذا المفهوم بمَثَلٍ جميل: لن يقولوا في ذلك اليوم "إن الآباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأولاد ضرست؟ بل كل إنسان يموت بذنبه؛ لا يضرس إلا أسنان من أكل الحصرم." ويؤكد سفر حزقيال نفس المعنى: "النفس التي تخطئ هي تموت؛ الابن لا يحمل إثم أبيه، والأب لا يحمل إثم ابنه؛ بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون."
سِفر المزامير: 51:5 قال: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا، لأنه بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم."
أما الإسلام، فتعاليمه مناقضة تمامًا لفكرة الخطيئة الأصلية. ويمكن تلخيص ما جاء في القرآن الكريم والسنّة النبوية حول هذه المسألة كما يلي:
أولًا: كل إنسان يُولد على الفطرة السليمة، فطرة الله الذي فطر الناس عليها، أي على طبيعة نقية طاهرة خالية من الذنب. وهي أيضًا القدرة الفطرية التي أودعها الله في الإنسان ليتعرّف بها على خالقه ويؤمن به دون أن يُعلَّم ذلك مسبقا. وقد عبّر النبي محمد ﷺ عن هذا المعنى بقوله: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه." أي أن الإنسان لا يُولد مذنبًا، وإنما تؤثّر عليه البيئة المحيطة به لاحقًا، سواء في الاعتقاد أو السلوك.
ثانيًا: المسؤولية التهذيبية (تهذيب النفس) هي مسؤولية شخصية تقع على عاتق الجميع، فكل شخص مسؤول عن إيمانه وأعماله وسلوكياته، وليس لأحد أن يتحمل عنه هذه المسؤولية. وقد قال الله تعالى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ." (البقرة: 286)
ثالثًا: لا يتحمّل أحد وزر أحد، ولا يحمل أحد ذنب غيره: "مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" (الإسراء: 15)
رابعًا: إن الله عادل مطلق، ولا يصدر عنه ظلمٌ أبدًا في أي حال من الأحوال، فهو منزه عن الجور والقسوة.
فلو عاقب اللهُ أحدًا على خطأٍ ارتكبه غيرُه – كأن يُعاقب الأبناء أو الأحفاد بذنب آبائهم– لكان ذلك ظلماً يتنزه عنه العدل الإلهي المطلق، ولا يليق بجلاله. الله سبحانه وتعالى يقول: "إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ" [النساء: 40]. ويقول أيضًا: "إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا، وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" [يونس: 44]. ويقول في موضع آخر: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ" [الزلزلة: 7-8].
خامسًا: الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، لا يشترط فداءً بالدم أو تقديم حياة بشرية لكي يغفر للعباد. بل يغفر لكل من تاب وأناب، وندم على زلّاته، ورجع إليه مخلصًا. يقول الله تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" [الزمر: 53-55].
[2] رومية: 5:12
[3] كورنثوس الأولى: 15:22
[4] يوحنا: 11:53,54
[5] لوقا: 22:36
[6] لوقا: 22:38
[7] متى: 26:39
[8] لوقا: 22:44
[9] التثنية: 24:16
[10] إرميا: 31:29,30
[11] حزقيال: 18:20
[12] متى: 7:1,2
[13] البخاري، صحيح البخاري، الجزء 2، ص 100، مسلم، صحيح مسلم، الجزء 4، ص 2047



