قَدِم وفْدُ عبدِ القَيسِ علَى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فرحب بهم النبي صلى الله عليه وسلم، . فَقَالُوا يَا رَسُولَ الله، إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِى شَهْرِ الْحَرَامِ ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا ، وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ . وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ . فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاالله وَحْدَهُ . قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ » . قَالُوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ « شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ». وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ . وَقَالَ « احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» [متفق عليه]
وهناك مناسبةٌ أخرى يجدر بنا أن نذكرها، ماذا كانت المفاهيم الإلهية المألوفة لدى أولئك الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد وإلى الإيمان بـ«لا إلهَ إلا الله». كانوا مشركين يعبدون آلهةً شتّى يعتقدون أنّها آلهتهم، تلك التي نُحتت من الحجارة أو الخشب، أو صيغت من الذهب أو الفضة بالنفخ والتشكيل، وكانوا يقدّمون لها القرابين والنذور، ويؤدّون لها الطقوس والشعائر. كانت لكلِّ واحدٍ من هذه الأصنام التي تُصوَّر آلهةً أو شركاءَ لله أو أولادًا له، هيئةٌ وشكلٌ وجسمٌ ثابتٌ. وقد وُجِدت أنسابٌ منظَّمةٌ للآلهة والآلهات. وكانوا يعتقدون أن لكلِّ إلهةٍ زوجًا، فلا وجود لإلهٍ بدون زوج! وكان الآلهة في ظنِّهم، يحتاجون إلى الأكل والشرب، وكان العامة من العابدين هم الذين كانوا يوفِّرون لهم ذلك. وكان قسمٌ كبيرٌ من المشركين يؤمنون إيمانًا أعمى بأنّ الإله يتجلّى في صورة إنسان! بل إنّ بعض البشر نُسِبوا إلى أنهم تجسيدٌ للآلهة. أما الرهبان فقد نسبوا كلَّ ما يلزمهم من مأكولات ومشروبات إلى الله، وفرضوه على عامة الناس زورًا وبهتانًا.
لم يكن نسل بني إسرائيل الذين كانوا يُسمَّون بالكهنة مختلفين في هذا الشأن. فالمسيحيون –رغم ادّعائهم الإيمان بوَحدانية الله– قد نسبوا إلى الله ولدًا. وقد آمن جمع كبير منهم بإلهٍ مكوَّنٍ من الأب والابن والروح القدس. بل إن لله أمًّا أيضًا عندهم! وأما اليهود الذين يزعمون أنهم من أهل الكتاب فإلههم لم يكن منزَّهًا عن المادة أو الجسد أو الصفات البشرية الأخرى. كان حسب اعتقادهم يتجول بكسل ويظهر في صورة إنسان، بل ويصارع عبده أيضًا! وليس هذا فقط، بل هو أبٌ لعُزَيْر كذلك! أما المجوس، فقد عبدوا النار. وكانت عبادة الكواكب محبوبةً لدى الصابئة.
في هذا السياق إذا دُعُوا إلى الإيمان بالإله الواحد الذي لا شريك له فمن الطبيعي أن تثار بعض الأسئلة في أذهان الناس: ما ماهية الإله الذي يُطلب منهم أن يعبدوه وحده ويجب أن يعترف به جميع الناس في العالم بعد أن يتخلوا عن جميع الآلهة الأخرى؟ هل هو كائن حي أم غير حي؟ إذا كان حيًا فهل هو إله أم إلهة؟ وإذا كان غير حي فهل هو تمثال من الذهب أو الفضة؟ هذه هي الأسئلة التي رفعها المشركون في مكة. وكان رد القرآن الكريم على هذه الأسئلة في السورة المئة والثانية عشرة، حيث يبدأ بقول "قل" (أي قل لهم يا نبي). فمثل هذا السياق لا يتطلب إلا جوابًا على سؤالهم ومع ذلك فقد أتى بعبارة «قل» في بداية الخطاب ليدل – كما أشار مفسرو القرآن – على أن الإيمان بتوحيد الله لا يتحقق إلا إذا تم قبوله عن طريق رسوله.
وهذان الحدثان يوضحان أن الإيمان بأن الله وحده هو المعبود يتضمّن في جوهره الإيمان بنبوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أيضًا. وبذلك يتضح أن الإيمان بالنبوة المحمدية يعتبر من أهم أركان العقيدة بعد الإيمان بوحدانية الله (التوحيد) الذي هو الأساس في الإسلام. وبالتالي فإن الشهادة (الشهادتين) التي هي عبارة عن إعلان الإيمان بالله ورسوله تتضمن كلا المعنيين للإيمان. وكما أن التوحيد هو أساس الإيمان في الإسلام، فإن الإيمان بالنبوة هو أساس الحياة الأخلاقية للمسلمين.
وقد ورد في الأحاديث (صحيح ابن حبان) أن أبا البشر آدم عليه السلام هو أول الأنبياء. وفقًا لما تقوله الكتب السماوية السامية فإن آدم هو أول إنسان على الأرض. لقد تناول العلماء المسلمون قضية ما إذا كان الإنسان موجودا قبل آدم في مائدة النقاش منذ العصور الإسلامية المبكرة، ونحن هنا قبل أن نناقش ذلك نريد أن نعرض مفهوم التطور البشري الذي يعتقد به العديد من العلماء في العصر الحديث.



