فلنتعرّف على بعض العلماء المسلمين الذين عبّروا عن رؤى علمية حول التطور قبل داروين.
1. الجاحظ (١٦٠ - ٢٥٦ هـ / ٧٧٦ - ٨٦٩ م)
لعل أبا عثمان عمرو بن بحر المعروف بلقب الجاحظ المخترع الحقيقي لنظرية التطور في شكلها الفلسفي والعلمي. عرض أفكاره هذه في كتابه الشهير "كتاب الحيوان". كان الجاحظ الذي كان يتبنى الأفكار المعتزلية قد عبّر عن أفكاره حول العمليات التطورية وتحول الأنواع. وقد أثّرت أفكاره هذه في كتابات وأفكار عدد من العلماء المسلمين الآخرين مثل الدميري والبيروني وابن طفيل وابن خلدون.
كان الجاحظ يؤمن بأن الطفرات والتحولات كانت بإرادة الله. وأكد الدكتور منور أحمد أنيس وحبيب أحمد صديقي، أن نظرية الجاحظ في التطور شكّلت الأساس الفكري والفلسفي لجميع من جاء بعده من دعاة نظرية التطور. وبحسب رأي الجاحظ فإن المواد غير الحية تتطور إلى نباتات، ثم تتطور النباتات إلى حيوانات، والإنسان يمثل مرحلة متقدمة من مراحل تطور الحيوان. كما عرض الجاحظ مفاهيم مثل "صراع البقاء"، و"الانسجام مع البيئة"، و"علم نفس الحيوان" - وهي نفس الأفكار التي أصبحت لاحقًا ركائز في نظرية الانتقاء الطبيعي التي طرحها داروين.
كان الجاحظ تلميذًا للنظَّام (المتوفى في ٢٤٥ هـ)، ويذكر جورج سارتون أن أستاذه أيضًا كان يؤمن بفكرة التطور. وبسبب إخلاصه لأستاذه أصبح الجاحظ من أقوى المدافعين عن الفكر المعتزلي. وقد أشاد الدكتور محمد إقبال كثيرًا بأفكار الجاحظ حول التطور واعتبره أول من طرح نظرية التطور في العالم الإسلامي. كتب إقبال: "كان الجاحظ (المتوفى في ٢٢٥ هـ) هو أول من أشار إلى التغيرات في حياة الحيوان الناتجة عن الهجرة والتأثير البيئي بشكل عام." وفي موضع آخر كتب أيضًا: "كان الجاحظ أول من لاحظ التغيرات في حياة الطيور الناتجة عن الهجرة."
يشير جورج سارتون في كتابه مقدمة في تاريخ العلوم (Introduction to the History of Science) إلى أن كتاب الحيوان لابن الجاحظ كان بمثابة البذرة التي مهّدت لظهور العديد من النظريات اللاحقة حول التطور، والتكيّف مع الظروف البيئية، وعلم نفس الحيوانات.
2. الفارابي (259-339هـ / 870-950م)
كان أبو نصر محمد بن محمد المعروف بالفارابي مفكّرا بارزا ساهم في مجالات متعددة كالفلسفة والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية والسياسة والميتافيزيقا. ويمكن اعتباره - إلى حدٍّ ما - من أنصار نظرية التطور، ولكن اهتمامه الأساسي كان منصبًّا على تطور الذكاء البشري أكثر من الجوانب البيولوجية للكائنات.لقد جادل الفارابي بأن تطور الذكاء الإنساني هو عملية مستمرة، وأن هذا التطور يسهم في نشوء وتطور الحضارات الراقية. وقد لاحظ أن المجتمعات البشرية تتطور عبر مراحل معقدة مدفوعة بالنمو العقلي والمعرفي لدى الأفراد والمجتمعات، مما يدل على فهمه العميق للعلاقة الوثيقة بين التقدم الاجتماعي والقدرات الذهنية للإنسان.
بعض الفلاسفة الإغريق وعلى رأسهم أرسطو تبنّوا أفكارا تطورية في مجالات الطبيعة وعلوم الكون. وقد تأثّر الفارابي تأثّرا بالغا بهذه الأفكار، لا سيما من خلال شروحه الموسّعة على مؤلفات أرسطو في الفيزياء، وعلم المناخ، والفلك، والكون. وبناء على ذلك قام الفارابي بتطوير إطارٍ فكري خاص به يركّز على دور العقل والمنطق في تطور المجتمعات الإنسانية. ومن خلال مزجه بين الفلسفة اليونانية والفكر الإسلامي، مهد الطريق للعلماء الذين جاؤوا بعده لدراسة تطور الإدراك الإنساني والبنى الاجتماعية.
3. المسعودي (توفي عام 345هـ / 957م)
أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي الذي ينتمي إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، هو مؤلف العديد من الكتب الكلاسيكية مثل كتاب التنبيه والإشراف، ومروج الذهب، وأخبار الزمان، وسر الحياة. تناول المسعودي آراءه المرتبطة بمفهوم التطور في كتابه التنبيه والإشراف. إذ يتحدث عن سلسلة مترابطة من التحولات تبدأ من المعادن، إلى النباتات، ثم الحيوانات، وأخيرًا إلى الإنسان. هذا المفهوم الذي أشار إليه المسعودي، سبق نظرية داروين للتطور المتدرج بين الكائنات الحية بحوالي تسعة قرون.
4. الإمام الراغب الأصفهاني (توفي 502 هـ / 1108 م)
الإمام الراغب رحمه الله كان معاصرًا للإمام الغزالي رحمه الله. وقد ذكر الإمام فخر الدين الرازي في كتابه أساس التقديس أن الإمام الراغب من أهل السنة. في كتابه الشهير "تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين"، كتب ما يلي:
"الإنسان في أول نشأته يكون جمادًا لا حياة فيه، وقد قال الله تعالى: "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ" (البقرة: 28). كيف ذلك؟ لقد كان الإنسان في البداية ترابًا، ثم طينًا، ثم طينًا يابسًا كالفخار، وهكذا... ثم يتحول إلى نبات له خاصية النمو. يقول الله تعالى: "وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا" (نوح: 17). هذه الآية تشير إلى مراحل نشأة الإنسان كالنطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، وهكذا...
ثم بعد ذلك، يتحول الإنسان إلى حيوان، فيتابع ما ينفعه ويدفع ما يضره، حتى يترقى إلى إنسان كامل يتميّز بخصائص العقل والفكر، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في مواضع متعددة من كتابه الكريم."
هذا الإطار الذي يقدّمه الإمام الأصفهاني حول تطوّر الإنسان عبر مراحل: الجماد، النبات، الحيوان، ثم الإنسان العاقل – وهو قائم على التأملات الميتافيزيقية واللاهوتية للقرآن - يشبه إلى حد كبير نظرية التطور الداروينية. كما أن رؤيته عن التكيّف الوظيفي تتلاقى بشكل وثيق مع مفهوم "الانتقاء الطبيعي". ومن الملفت للنظر أن الإمام قد عبّر عن هذه الرؤية الواضحة حول الترابط والتسلسل في نشأة الحياة وتطوّرها في زمن لم تكن فيه أدوات البحث العلمي ووسائله المعروفة لدينا اليوم.
5. ابن مسكويه (٣٢٥ - ٤٤٢ هـ / - ١٠٣٢ م)
يقدّم كتاب "إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام" للعلاّمة محمد إقبال ابن مسكويه كأول مفكر مسلم قدّم فكرة دقيقة وواضحة بخصوص النظريات الحديثة لنشأة الإنسان.
ويتابع إقبال نفسه قائلاً: "نرى أن فكرة التطوّر تتكوّن تدريجياً، كان جاحظ أول من لاحظ التغيرات التي تحدثها الهجرات في حياة الطيور. ثم جاء ابن مسكويه المعاصر للبيروني، فصاغ هذه الملاحظة في شكل نظرية أكثر دقة وأدرجها في كتابه اللاهوتي "الفوز الأصغر". وإنني أذكر ملخص نظريته حول التطوّر هنا مرة أخرى ليس لقيمتها العلمية، بل لأنها تسلط الضوء على طبيعة التفكير العلمي عند المسلمين الأوائل.
في رأي ابن مسكويه، فإن أدنى مراحل التطوّر في عالم النبات لا تحتاج حتى إلى بذور كي تنشأ وتنمو. ولا تحتاج إلى البذور لحفظ نوعها. وهذه النباتات تختلف عن المعادن فقط في أنها تظهر حركة بسيطة. ثم تنمو النباتات وتتطور إلى تراكيب أكثر تعقيداً، وتمتد على شكل فروع، وتتكاثر بالبذور. هذه القدرة على الحركة تتطوّر تدريجياً لتصبح أشجاراً لها جذوع وأوراق وثمار. وفي المراحل العليا من التطوّر تحتاج النباتات إلى تربة ومناخ جيدين للنمو. وتبلغ قمة التطوّر في عالم النبات عند الكرمة والنخل. وهي تقف على حدود مرحلة الحياة الحيوانية ، فالنخلة تظهر فيها الفوارق الجنسية بوضوح. وإلى جانب الجذور والألياف هي تطوّر مكوّناً يشبه دماغ الحيوان، وهو الذي تعتمد عليه في بقائها. وهذا هو أعلى مرحلة في تطوّر الحياة النباتية، وخطوة أولى نحو مرحلة الحياة الحيوانية.
أما الخطوة الأولى نحو مرحلة الحياة الحيوانية ، فهي التحرر من التجذر في الأرض، أي بداية الحركة الحرة الواعية. في أول بداية مرحلة الحياة الحيوانية يظهر الحس باللمس ثم الرؤية. ومع تطوّر الحواس تنال الحيوانات حرية الحركة، كما نراه في الحشرات والزواحف والنمل والنحل. ويبلغ الحيوان تمامه في الحصان من بين الحيوانات ذات الأربع أرجل، وفي الصقر من بين الطيور. وأخيرا يصل إلى القرد الذي لا يملك ذيلاً، وهو أقرب الكائنات إلى الإنسان في مقياس التطوّر، أي أنه لا يبعد عن الإنسان سوى درجة واحدة فقط."
وقد أشار إقبال إلى هذا الأمر في كتابه تطور الميتافيزيقا في فارس (The Development of Metaphysics in Persia) (ص. 29).
حاول ابن مسكويه إثبات نظريته بكل ما يمكن من القوة استناداً إلى الحقائق الملحوظة. وإن لم تكن نظريته متوافقة تماماً مع المفاهيم العلمية الحديثة إلا أنه يشرحها بأسلوب واضح وبكثير من العناية. يوضح قائلا : في الظاهر تنشأ جميع الكائنات الحية من شيء غير حي - لأن السائل المنوي نفسه ليس كائناً حياً. هذا السائل يتكون من الدم، والدم يتكون من الغذاء، والغذاء من النباتات، والنباتات من العناصر، والعناصر من الذرات، وهذه الذرات تنشأ لاحقاً من 'الصورة' و'المادة'."
وقد كشفت العلوم الطبية الحديثة أن السائل المنوي يحتوي على ملايين الحيوانات المنوية، وهي في الحقيقة كائنات حية أحادية الخلية، وتتحول إلى جنين بعد اندماجها مع البويضة. إن رؤية ابن مسكويه حول تطور الكائنات الحية لا تتوافق تماماً مع المعرفة العلمية الحديثة. فعلى سبيل المثال يقول عالم الأحياء الشهير و. ر. تومبسون: "علماء الأحياء متفقون اليوم على وجود تمييز بين النباتات والحيوانات." لكن ابن مسكويه يرى أن الحيوانات نشأت من النباتات، ويرى أن التطور لا يحدث بصورة طبيعية، بل هو فعل من أفعال الله القادر، كما يوضح في كتابه "الفوز الأصغر". إن الفصل الأول من هذا الكتاب بعنوان "دليل الصانع" – أي أدلة وجود الخالق.
6. ابن طفيل (1100-1186)
كان ابن طفيل مفكرا أندلسيا متعدد المواهب، يتنال ابن طفيل أفكار الخلق والتطور في روايته الفلسفية حي بن يقظان، المعروفة في الغرب باسم الفيلسوف المتعلم بنفسه (Philosophus Autodidactus).
تحكي القصة عن طفل يُدعى حي، ضل في جزيرة مهجورة لا يسكنها بشر. من المحتمل أن يكون نشأته عفويا دون أب أو أم، أو جاء عائماً في صندوق من جزيرة أخرى. يصف ابن طفيل نشأة حي من "طين متخمر" (fermented clay) بفعل أشعة الشمس وحرارتها، ثم تنفخ فيه الروح بأمر الله. ويرى سامي س. حاوي أن ابن طفيل يطرح من خلال هذه القصة أفكاراً تتعلق بالتولد التلقائي (abiogenesis). وهذه رؤية تتشابه مع النظريات الكيميائية الحديثة عن نشأة الحياة. وتؤكد الرواية تطور حي العقلي بأسلوب قوي. فبينما يتعلم كيفية يبقى على قيد الحياة تطرأ عليه بعض التغيرات ليتكيف بها مع الظروف المتغيرة، ويخوض في صراع من أجل البقاء، وكل ذلك يدل على فكرة عميقة لمفهوم التطور لدى المؤلف.
ابن طفيل لم يوضح بشكل دقيق مبدأ الانتقاء الطبيعي كما فعل داروين، إلا أن من الواضح أنه قد قدّم فكرة مشابهة لفكرة "بقاء الأصلح" (survival of the fittest) التي طرحها داروين. فصراع حيّ من أجل البقاء في بيئة معادية، وتكيّفه مع الظروف الجديدة، يعبر عن مفهوم الانتقاء الطبيعي. ومن الأمثلة على ذلك أن غياب الأسلحة الطبيعية في المنافسة على الموارد يدفعه لاختراع الأدوات، وهو ما يشبه فكرة داروين القائلة بأن "الحاجة تخلق العضو" (need creates the organ).
إضافة إلى ذلك فإن تصويره لحيّ على أنه يستخدم قدراته العقلية للتغلب على التحديات يعكس فكرة أن قدرة الكائن الحي على التكيف هي التي تحدد صلاحيته للبقاء. وتُعتَبر أعمال ابن طفيل، التي أثرت بشكل كبير في الفلسفة الإسلامية والغربية من أوائل الإشارات الإسلامية لأفكار تتعلق بنشأة الحياة والتطور.
7. ابن خلدون (732-808هـ / 1332-1406م)
كان ابن خلدون عالماً ومفكراً ومؤرخاً شهيراً، وقد قدّم تصورات معقدة حول عملية التطور من خلال الربط بين العالم المادي والمستويات الروحية. وأفكاره حول التقدم التدريجي للحياة والمجتمع ترتبط ارتباطاً وثيقاً برؤيته للتاريخ وتطور الحضارة الإنسانية، حيث يقدم تحليلاً عميقاً للتطور على المستويين المادي والاجتماعي.
دعونا ننظر إلى كيفية استكشاف ابن خلدون لأفكار التطور الموضحة في مقدمته الشهيرة والعلاقات التي ترتبط بين مختلف أشكال الوجود ، من عالم المعادن إلى عالم الفكر وما بعده.
[2] صديقي، حبيب أحمد، المسلم والبحث العلمي (كراتشي: مؤتمر العالم الإسلامي، ١٩٨٨)، ص. ٢٧٦.
[3] المصدر نفسه.
[4] محمد إقبال، الدكتور، إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام، ص. ٩٦.
[5] المرجع السابق، ص. ١٠٦.
[6] سارتون، جورج، مقدمة في تاريخ العلوم، المجلد ١، ص. ٥٩٧.
[7] البروفيسور نظير أحمد، "المسعودي"، في تاريخ الإسلام: موسوعة في التاريخ الإسلامي.
[8] الإمام الراغب، رحمه الله، حول تطور الإنسان تدريجياً إلى الإنسان الكامل، تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، الفصل الخامس، ص. ٣٠.
[9] ابن مسكويه (توفي ٤٢١هـ)، كان أول مفكر مسلم يقدم نظرية واضحة وحديثة في كثير من جوانبها عن أصل الإنسان، إقبال، العلامة محمد، إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام، ص. ١٢٧.
[10] المرجع نفسه، ص. ١٤٨-١٤٩.
[11] عبد الحميد، خواجة، ابن مسكويه: دراسة في كتابه الفوز الأصغر، ص. ٣٢.
[12] تومبسون، وليم روبرت، "نقد نظرية التطور"، في: الخلق والتطور في الرابطة العلمية الأمريكية المبكرة، روتليدج، ٢٠٢١، ص. ٣٩٦-٤٠٣.
[13] عبد الحميد، خواجة، ابن مسكويه: دراسة في كتابه الفوز الأصغر، ص. ٢٩.
[14] حي بن يقظان، لابن طفيل، ترجمة سيمون أوكلي و إيه. إس. فولتون (١٩٢٩)، ص. ٣٥-٣٦.
[15] سامي س. حاوي، "مفهوم طبيعي إسلامي لنشأة الحياة: رأي ابن طفيل"، الثقافة الإسلامية، حيدر أباد، المجلد ٤٩، العدد ١ (يناير ١٩٩٥)، ص. ٢٣-٤١.
[16] سامي س. حاوي، الطبيعية الإسلامية والتصوف: دراسة فلسفية لحي بن يقظان لابن طفيل (ليدن: إي. جي. بريل، ١٩٧٤)، ص. ٢٨٢.



