إن القرآن الكريم قد ذكر أسماء خمسة وعشرين نبيا. وهم: آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أيوب، موسى، هارون، ذو الكفل، داود، سليمان، إلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، وسيدنا محمد ﷺ.
القرآن الكريم لم يتناول حياة هؤلاء الأنبياء بأسلوب كتب السِّيَر المعهودة، حيث يُفرد لكل واحد منهم فصولًا أو مقاطع خاصة، بل إنما ذُكروا حسبما تقتضيه مناسبة الحديث والموضوع، فحين يكون من المناسب ذكر أحدهم لإيصال المعنى المراد، يُذكر ذلك النبي بأسلوب مؤثر يمسّ القلب، على سبيل المثال، تأمل الخطاب الثاني في سورة آل عمران؛ حيث نزلت هذه الآيات في السنة التاسعة للهجرة عندما جاء وفدٌ من نصارى نجران إلى حضرة النبي ﷺ. كانت نجران حينها منطقة حرة مستقلة تقع بين الحجاز واليمن، وتضم 73 قرية. وقد بلغ عدد الرجال المحاربين فيها آنذاك مائة وعشرين ألفًا، حسب بعض الروايات. وكان جميع سكان نجران من النصارى، ويحكمهم ثلاثة زعماء.أولهم عبد المسيح (كريستوذولُس)، الذي كان يلقب بـ"العاقب"، وكان زعيمهم الأكبر الذي يتمتع بشعبية كبيرة لدى النجرانيين، والثاني "الأيهم" الذي كان بيده زمام الشؤون السياسية والإدارية والمدنية، وكان لقبُه "السيد". أما الثالث فهو الأسقف أبو الحارث بن علقمة، وكان المرجع الديني الأعلى عندهم. وبعد فتح مكة، عندما أصبحت مكة تحت حكم النبي ﷺ، أدرك جميع العرب أن مستقبل الجزيرة في يد هذا القائد المبارك، وبدأت الوفود تتوالى إلى المدينة، معلنةً إسلامها أو طالبةً الحماية تحت راية الدولة الإسلامية. وكان من بين هذه الوفود وفد نجران الذي ضم هؤلاء الزعماء الثلاثة برفقة ستين رجلًا
لم يكن هدفهم الحرب، بل كانوا بين خيارين: إما الدخول في الإسلام، أو طلب الحماية والبقاء تحت سلطة النبي ﷺ. وفي هذا السياق، أنزل الله تعالى الآيات التي تبدأ بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ....﴾ وهي كلمات تهدف إلى دعوة وفد نجران إلى الإسلام بأسلوب حكيم ومؤثر.
آدم - الأب الأول للبشرية
أول نبي ذُكر في القرآن الكريم هو آدم عليه السلام، الذي يُعتبر أب البشرية. وهو أول إنسان خلقه الله بمنحة خاصة من العقل والقدرة على التفكير الحر. وقد ورد في مواضع متعددة في القرآن أن الله خلق آدم من تراب. وجاء في بعض الأحاديث النبوية إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك. كما أشرنا سابقًا، فقد خضع ذلك التراب لمراحل متعددة من التطور حتى أصبح طينًا، ثم نفخ الله فيه من روحه، فصار إنسانًا حيًا ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: 9). لم تكن هذه الحياة نتيجة تطور تلقائي أو نشوءٍ ذاتيٍّ من مادة جامدة، بل كانت خلقًا مباشرًا بتقدير الله الحكيم وعلمه وإرادته.
وفقًا للأسفار السامية، من التوراة والكتب المقدسة الأخرى، فإن آدم وزوجه حواء سكنَا الجنة قبل أن يهبطا إلى الأرض. لكن الإسلام يختلف في هذه المسألة عن اليهودية والمسيحية. فبحسب تلك الروايات: أوصاهما الرب الإله بعدم أكل ثمر شجرة معرفة الخير والشر، وقال: "في اليوم الذي تأكلان فيه منها تموتان". غير أن الشيطان خدعهما وألهمهما قائلًا: "لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كالله، عارفين الخير والشر". فانخدعت حواء أولًا، ثم أغرت آدم، فأكلا من الثمرة. لكنهما لم يموتا كما قيل لهما، أخيرا غضب عليهما الرب الإله ولعنهما.
[1]عبد الملك بن هشام، سيرة ابن هشام، الجزء 1، ص 573. لتي أوصيتك قائلًا لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك. وشوكًا وحسكًا تنبت لك، وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا، حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها، لأنك تراب وإلى تراب تعود". وقال لحواء: "تكثيرًا أكثر أوجاع حبلك. بالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك". ثم قال الله: "هوذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا، عارفًا الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا ويأكل ويحيا إلى الأبد". وهكذا طُردا من الجنة.
وبحسب هذه الروايات، فإن عمل الإنسان وتعبه في الأرض، وكذلك آلام الولادة، ما هي إلا عقوبة إلهية. وتذكر بعض النصوص أن الله ندم على خلق الإنسان: "فحزن الرب أنه عمل الإنسان على الأرض، وتأسف في قلبه".[8]
أما التعليم الإسلامي، فيختلف عن تلك الرؤية اليهودية والنصرانية تمامًا. فآدم عليه السلام خُلق ليكون خليفة في الأرض منذ البداية. وإسكانه الجنة لم يكن إلا نعمة مؤقتة سبقت مهمته في الدنيا. والغاية من هذا التمهيد كانت غرس فكرة أن الجنة هي موطننا الأصلي، وأن علينا أن نعمل للعودة إليها، وهذا المفهوم يجب أن يُغرس في أعماق النفس البشرية.
ابن سعد، الطبقات الكبرى، الجزء 6، ص 406.
أبو جعفر الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، الجزء 5، ص 172.
[2]أبو داود، والترمذي، سنن الترمذي، الجزء 5، ص 71.
أبو داود السجستاني، سنن أبي داود، الجزء 4، ص 358.
أحمد بن حنبل، مسند أحمد، الجزء 32، ص 413.
[3] سفر التكوين 2:17
[4] سفر التكوين: 3:4,5
[5] سفر التكوين: 3:17-19
[6] سفر التكوين: 3:16
[7] سفر التكوين: 3:22
[8] سفر التكوين: 6:6



