من هو قدوتك؟ إنه سؤال أصبح اليوم منتشرًا على نطاق واسع. الأنبياء هم قدوة أرسلها الله لمن يريد أن يعيش حياة مستقيمة حسب إرادة الله ومرضاته. وهؤلاء الأنبياء لم يكونوا يعلّمون نماذج الحياة إلا على أساس التعليم الإلهي. فالمعنى الحقيقي للإيمان بالأنبياء هو أن نصدق تعليماتهم دون أدنى انحراف، وأن نتبعهم في ساحة الحياة الدنيوية اتباعا كاملا.
إن الإيمان برسالة النبي لا يعني أن يؤمن الإنسان به ثم يسير مع التيارات السائدة، أو يختار حياة حسبما يلهمه ضميره، بل إن الله لم يرسل الأنبياء إلا ليتبعهم الناس، ويتخلّوا عن جميع العادات الأخرى، ويعملوا وفق القوانين التي جاء بها الأنبياء. هذا الأمر قد ذكره القرآن الكريم في مواضع متعددة. يقول تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا ليُطاع بإذن الله" (النساء: 64). وفي موضع آخر: "من يطع الرسول فقد أطاع الله" (النساء: 80).
إن الكتب التي علمها الأنبياء هي تلك الدروس الأساسية لنماذج الحياة التي سلكوها. وفي سياق نزول الكتاب على النبي ﷺ أوضح القرآن الكريم ذلك "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق لتَحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيمًا" (النساء: 105)، أو كما في قوله: "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدًى ورحمةً لقوم يؤمنون" (النحل: 64)
إن البعثة النبوية الشريفة مع القرآن الكريم كان فرصة ذهبية للتغير لشعب كان بائتا في أوهامٍ وتقاليد متناقضة تشكلت على أساس مجرد تخيلات مبنية على التقليد والطاعة العمياء التي لا معنى لها. ومن خلال دعوته المثالية قدم رصيفا متينا يقوم على الحقيقة والإبداع ويمكن لكافة الفئة الاجتماعية أن يجتمعوا عليه! فإذا أصرّ أحدٌ على تفضيل موقفه السابق رغم حصوله على هذا الفضل، فلن يُرى فيه أي تحول أو تطور. هذه هي الفلسفة الكامنة وراء الأمر الإلهي باتباع حياة الأنبياء.
بالنظر في تاريخ البشرية حتى اليوم يتبين لنا أن هناك ثلاثة عناصر أساسية كانت تمثل الأسس لأي حضارة راقية. أولها: إطار نظري دقيق وواضح. ثانيها: قواعد أخلاقية التي لها تأثير كبير في تنظيم الحياة اليومية. ثالثها: قوانين مدنية رصينة. وقد نشأت وتشكلت وتطورت هذه العناصر في معظم الثقافات والحضارات بطريقة منظمة.
فالعنصر الأول غالبًا ما صاغه الفلاسفة والمفكرون، بينما الثاني تشكّل اعتمادًا على منظومات دينية أو من خلال الأنماط الحياتية للرواد الدينيين. أما القوانين المدنية التي ظهرت في مختلف المجتمعات فقد نشأت على أساس الرؤى الفلسفية التي صاغها الفلاسفة استنادًا إلى التجارب اليومية والفهم العلمي والاجتماعي. وإذا تأملنا ذلك بعين النقد نلاحظ أن هذه الرؤى كثيرًا ما كانت مختلفة بل متعارضة أحيانًا. وكان من قام بتطوير هذه الرؤى وتفسيرها وفقًا للظروف الاجتماعية مختلفين في الاتجاهات الفكرية ومستويات الوعي والقدرة العقلية، ومن ثم أدت هذه التباينات في المنهج والتصور إلى خلافات وصراعات تاريخية، وأعطت المجال لاتباع مسالك مختلفة لدى الناس.
لكن على الرغم من ظهور تنوعات متعددة في الحضارات المبنية على الوحي الإلهي، إلا أنها كانت في منأى عن مثل هذه النواقص. وأهم سبب لذلك هو أن المبادئ التي قادتهم كانت مستندة إلى وحي إلهي، فكانت موحدة ومتفقة. وكل من أُوتي نور الإيمان في تلك المجتمعات اعتمد تلك المبادئ كأساس. فلم تُحدث تلك المبادئ أي تصادم أو تضارب عند التطبيق العملي؛ لأنها صيغت من قِبَل نفس القادة الروحيين الذين أسّسوا العقيدة وقادوا المجتمع عمليًا. هؤلاء القادة جسّدوا القيم الرفيعة للحضارة في حياتهم.
وشكل لهم حاملُ الوحي النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم قدوة مثلى في تنظيم التجارب اليومية. وكان الأنبياء أعظم الناس خُلقًا، وأعلاهم مكانة اجتماعية، وأكثرهم تمسكًا بالقيم الأخلاقية، ولم يكن هناك من يفوقهم في قوة الإيمان أو السلوك الرفيع. ولهذا أصبح هؤلاء العظماء النموذج المثالي لمجتمعاتهم. كثيرًا ما قادوا حروبًا دفاعًا عن معتقداتهم وتولوا زمام الحكم في مجتمعاتهم. وكانت القوانين المدنية التي أسسوها مستمدة من العلم الغيبي الذي أُوحي إليهم، فكانت كاملة غير منقوصة. ولهذا نلاحظ في كل حضارة بارزة في التاريخ، أن وراءها تعاليم نبي قوي التأثير.
الأنبياء في كل أرض هم الذين شكّلوا معالم الثقافة الإنسانية والحضارة والقيم الأخلاقية فيها. وقد ذكّرنا القرآن الكريم سابقًا بهذه الحقيقة، حيث يقول: "وَإِن مِّن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ" (فاطر: 24). وقد ذكرنا سابقًا أيضًا معنى كلمة "أمة" الواردة في مثل هذه الآيات تعني جماعة من الناس تعيش في رقعة جغرافية واحدة، وتربطهم عناصر مشتركة كـاللغة والدين والسياسات والاقتصادية والرؤية التاريخية والنظام الحاكم ويشتركون في الحقبة الزمنية ذاتها... فمن الممكن اليوم من خلال الدراسات التاريخية والحقائق المتوفرة أن نتعرف بشكل تقريبي على المجتمعات المختلفة التي كانت قائمة في أنحاء شتى من العالم منذ نحو ألف وأربعمئة سنة، أي قبل نزول القرآن الكريم. وتفيد الآيات القرآنية أن جميع هذه المجتمعات قد أُرسل إليهم أنبياء.
وهكذا في كل بقعة من بقاع الأرض التي عاش فيها البشر حياةً اجتماعية ظهرت نصوص دينية أساسية تمثّل القيم الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية، وتم بناء أنظمة حياتية على أساسها. وبهذه الطريقة تم تمهيد الطريق لتأسيس حضارة عالمية موحَّدة المعايير. وفي اللحظة التاريخية الأكثر احتياجًا جاء النبي الخاتم محمد ﷺ برسالة حضارية وثقافية وأخلاقية فريدة من نوعها ليكون مرسلًا إلى البشرية جمعاء.



