من المتفق عليه أن الداروينية الجديدة، التي ظهرت في بداية القرن العشرين، كانت السبب في إعادة إحياء نظرية داروين التي كانت تواجه انتقادات شديدة حتى من داخل المجتمع العلمي؛ بسبب نقص الأدلة العلمية. وقد طُرحت فكرة "الطفرات" (Mutation) لتوضيح العملية العشوائية للتطور التي تحدث عنها داروين. ومع ذلك، فإن الأساس الذي تستند إليه هذه الفكرة ضعيف للغاية، على سبيل المثال، العين، فإنه يُفترض أن أبسط الخلايا الحساسة للضوء والخلية الشفافة يمكن أن تخضع للطفرات. لكن لا يوضح تفسير حقيقي لأصل هذه الأجزاء. فالطفرات بطبيعتها عشوائية تمامًا وغير منظمة، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال التنبؤ بالمنتج النهائي مثل تكوين العين!
إذا كانت الطفرة تفيد الكائن الحي بأي شكل من الأشكال فإن هذا الكائن يتفوق في صراع البقاء بالنسبة للحيوانات الأخرى. الكائنات التي تمتلك طفرات مفيدة ستنتج تدريجيًا أجيالًا أكثر تحمل نفس التحولات، وتستمر الطفرات في الحدوث، وفي نهاية المطاف يختفي النوع الأصلي تدريجيًا ليظهر نوع جديد - هذا هو مبدأ الانتخاب الطبيعي بحسب نظرية النيو-داروينية. تحدث الطفرات الجينية عبر تغييرات دقيقة جدًا وطويلة الأمد - تمتد غالبًا لملايين السنين - وتتطور من خلالها عضو فعّال ذو بنية وظيفية. ومع ذلك لا توجد تفسيرات دقيقة توضح كيف يمكن لهذه الطفرات أن تعطي صفات مفيدة للكائنات الحية. بل تعتمد التفسيرات المقترحة غالبًا على افتراضات وتخيلات سردية غير مدعومة بشكل كافٍ.
لنأخذ مثال العين مرة أخرى. هناك تفسير لتطور العين إلى شكلها الحالي، يتم تكراره كثيرًا وكأنه إنجاز علمي كبير. في البداية، يُفترض أن هناك قطعة من الجلد مستديرة الشكل تحتوي على خلايا حساسة للضوء. لا توجد معرفة دقيقة أو تفسير علمي حول كيفية ظهور هذه الخلايا أساسًا. ومن أجل التبسيط، يُقال إنها ظهرت صدفة! لكن لا يوجد تفسير لظهور هذه الخلايا. لاحقًا، خضعت هذه القطعة الجلدية لسلسلة من التحولات الجينية المستمرة. وعلى الرغم من أن الكثير من هذه الطفرات كانت ضارة، يُفترض أنه في مرحلة ما، انحنت هذه القطعة الجلدية إلى الداخل مثل الوعاء، مما سمح بتركيز الضوء داخلها، وبالتالي وفرت بعض الفوائد. ومع ذلك، لا توجد تفسيرات واضحة ومحددة لطبيعة هذه الفوائد التي استفاد منها الكائن في هذه المرحلة المبكرة. ويقال إنه بعد طفرات عديدة على مدى فترة طويلة تقارب 400,000 سنة، تطورت العين مع عدستها إلى شكلها الحالي. وهناك دراسات عديدة تؤكد أن هذا التقدير الزمني تم دون اعتبار العشوائية الكاملة للطفرات.ويُعتقد أن أول تطور للعين حدث في الكائنات اللافقارية. ولكن مع تطور الهيكل العظمي في أجسام هذه الكائنات، لا توجد تفسيرات حول كيف تشكلت العين بهذا الشكل بالتحديد، أو لماذا كانت هذه البنية مفيدة دون غيرها، أو كيف تطور الهيكل العظمي ليتناسب مع هذا الشكل. كذلك، لا توجد توضيحات علمية لكيفية تطور العضلات والأعصاب التي تساهم في عملية التركيز الميكانيكي للعين. كما أنه لا يوجد تفسير دقيق لكيفية مساهمة كل طفرة صغيرة خلال 400,000 سنة في تحسين قدرة الكائن على البقاء. ويجب أن نتذكر أننا هنا نتحدث فقط عن العين!
يتم نشر هذه النظرية على نطاق واسع، بدءاً من الكتب المدرسية إلى المنشورات ذات الأهمية الدولية مثل مجلة Nature. رغم كل هذا فإن هذه التفسيرات غالبًا ما تكون مجرد تصورات وتكهنات لا ترقى حتى لمستوى الفرضية العلمية القوية. منذ أن طرح داروين مفهوم الانتخاب الطبيعي، واجه معارضة من عدد كبير من العلماء، وهذه الانتقادات العلمية تزداد قوة بمرور الوقت. وحتى بعض العلماء الحائزين على جائزة نوبيل في العلوم هم من بين الذين ينتقدون هذا المفهوم. بل إن بعضهم شارك في قضايا قانونية طُعِن فيها في نظرية التطور. تخيل لو أن علمًا آخر مثل الفيزياء مر بمثل هذا الضعف! فهذه العلوم تستند إلى أسس راسخة مدعومة بمبادئ رياضية دقيقة، واضحة، وموثوقة. مثلًا، زاوية ورقة أو أي حركة بسيطة لها تفسير دقيق في علم الفيزياء.



