لقد وَهبَ الله كلَّ إنسانٍ الإدراكَ الأساسي والقدرةَ العقلية الكافية ليميز بين الصواب والخطأ. وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم :﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10). إلا أن عقلية الإنسان وحدها لا تكفي لضمان حياة اجتماعية آمنة وسليمة. وكما سبق أن قلنا فإن المخلوقات الشبيهة بالإنسان التي عاشت على الأرض قبل آدم عليه السلام قد خاضت حروبًا وسفكت الدماء. لذلك، لا بد من وجود من يُرشِد الناس ويوجههم في مختلف مجالات الحياة. ولطالما استعدَّ الإنسان عبر العصور لاتباع العظماء الذين يُرشدونه ويوجهونه؛ لذا نجد أن الزعماء، والشيوخ، وقادة القبائل، والعلماء كانوا يُحترمون ويُتَّبعون. ومع ذلك فإن ما يُنظّم الحياة الإنسانية بجميع جوانبها ويقودها نحو النجاح الأبدي لا يكون إلا من خلال الرسالة النبوية.
وقد ذكر الإمام الماوردي رحمه الله خمسة أسباب تؤكد ضرورة النبوة:
أولًا: إن الله تعالى برحمته يمنح عباده جميع أنواع الخيرات والمنافع التي يحتاجون إليها. وما يعجز العقل البشري عن إدراكه من أمور وتعاليم، يوصله الله إليهم من خلال إرسال الأنبياء. وهذا من تمام إحسان الله ونعمه عليهم.
ثانيًا: يُبشّر الأنبياء المؤمنين المطيعين بالجنة، ويُنذرون الظالمين والعاصين بعذاب النار، مما يمنح الإنسان دافعًا قويًا لاختيار طريق الخير والابتعاد عن الشر. وهكذا تتهيأ للناس فرصة حقيقية لاتخاذ قرارات صائبة تنسجم مع الحقيقة والخير.
ثالثًا: هناك كثيرٌ من الحقائق الغيبية والمعاني العميقة التي لا يمكن للعقل البشري أن يدركها بنفسه، والطريق الوحيد لمعرفتها هو الأنبياء الذين يفتحون أمامنا بابًا واسعًا إلى عوالم من المعرفة التي لا تُدرَك إلا بالوحي.
رابعًا: الإيمان بأن الله وحده هو الإله الحقيقي يتطلب الالتزام بمنهج حياتي ينسجم مع هذه الحقيقة، ولا أحد أحقّ بإبلاغ هذا المنهج من خالق الإنسان والكون. والأنبياء هم من يتلقَّون هذا المنهج من الله ليبلغوه للناس. ومن خلالهم نحصل على طريق عمليّ لطاعة الخالق.
خامسًا: الناس لا يستعدّون عادةً لاتباع من هم في مستواهم أو أقلّ منهم علمًا ومقامًا. لكنهم يُقبلون على الأنبياء الذين يتميزون بمعارف فوق طاقة البشر وتجارب خارقة، وهذا ما يُلهِم الناس اتباع الأنبياء. وفوق كل ذلك الأنبياءُ يوحّدون الناس حول عقيدة واحدة ومثل أعلى، فيبقون على الإيمان بوحدانية الله. وهكذا تنتشر بركة الرسالة ويعمّ الخير. وفي الحقيقة هذا التوحيد الذي تحققه النبوة هو أساس الوحدة الإنسانية الشاملة. كما أن الأنبياء يَحُلّون النزاعات ويُنْهُون الخلافات ويُقَدّمون حلولًا عملية للمجتمع.
عند تأمل التاريخ العالمي نجد العديد من الشخصيات التي أثّرت في البشرية. وقد تم تمجيد بعضهم كقادة في أزمنتهم وبلدانهم، لكن من خلال هذا الشرح يمكننا إدراك الفرق بين هؤلاء القادة وبين الأنبياء. وأهم فرق بينهم أن مصدر علم الأنبياء ليس في متناول الناس العاديين. فالوحي الإلهي هو مصدر المعرفة النبوية. ولهذا يستطيع الأنبياء أن يقدّموا لنا أصدق وأوثق المعلومات عن الله، وعن صفاته، وعن منهجية طاعته. فمهما بلغ الإنسان من الذكاء والفكر ومهما ارتقى علميًا فإنه لا يمكنه الوصول إلى إدراك دقيق وواضح عن الحقائق الماورائية. بينما يُعدّ الوحي وسيلة فوق حسية تمكّن الأنبياء من التعبير عن سلوكيات عادلة متوازنة وملتزمة بالحق في جميع القضايا الدنيوية والأخروية. وبهذا يتمكنون من ترسيخ سلوك حياتي يتناسب مع الغاية العظيمة والمقصد السامي من خلق الإنسان.
وكما نعلم من التاريخ والدراسات الاجتماعية فإن العديد من الأشخاص غير الأنبياء قد حاولوا ابتكار أنظمة عبادة، ومبادئ عقدية، وقوانين اجتماعية من تلقاء أنفسهم. وهناك العديد من التجارب التي تم تلفيقها باسم الله في التاريخ البشري. لكنها لم تكن شاملة ولا منطقية، وأحيانًا حتى لم تكن صادقة. بل نجد في تلك الكتب وأقوال معتنقيها الكثير من النقد الذاتي الذي يوضح تداخل الحق بالباطل فيها.
وقد ذكرنا أن الفرق الجوهري بين من جاءوا لإصلاح المجتمعات البشرية وبين الأنبياء هو العلم المستند إلى الوحي الإلهي، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا. فإليكم خلاصة إحدى الآيات. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ (الحج: 8,9). أما الأنبياء الصادقون فقد كانوا مزيّنين بالعلم الرباني. وهذا ما تؤكده آيات عديدة مثل: مريم: 43، الأنبياء: 74، القصص: 14، البقرة: 120. وعن النبي ﷺ يقول القرآن: "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى" (النجم: 3,4). إذًا، الرؤية التي يقدّمها الأنبياء هي رؤية إلهية خالصة، لا تؤثر فيها حدود المعرفة البشرية.
ومن الملاحظات المهمة التي ذكرها الإمام الماوردي أن الرؤية النبوية قادرة على جمع البشرية كلها في إطار موحد؛ لأن خطاب الأنبياء نابع من تعليم الخالق. أما جميع المعارف التي لا تستند إلى مصدر إلهي فلها حدود ونواقص، فلا أحد يستطيع أن يحدد الغاية الحقيقية من الخلق إلا من خَلَقه. وإذا كان من يحاكم الحياة هو نفسه من يضع منهجها فإن حكمه سيكون عدلًا؛ لذا يجب أن يكون منهج الحياة الكامل نابعًا من الوحي الإلهي، فهذا هو العلم الحقيقي، وما عداه فهو جهل أو علم ناقص، فالوحي يخرج الإنسان من كل أنواع الظلمات إلى النور ﴿"كتاب أنزلناه إليك لتُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم﴾ (إبراهيم: 1). لاحظ هنا أن الظلمات وردت بصيغة الجمع، والنور بصيغة المفرد، وذلك للإشارة إلى أن الطرق البشرية متعددة ومضطربة، أما الطريق الإلهي فهو واحد وواضح. والقرآن هو الذي يدلّ الناس على طريق النور، أي على طاعة الله. وهكذا يَهدي الجميع إلى رؤية حياتية واحدة تنظم الخطوات اليومية بنور الإرادة الإلهية.
في الديانات السامية عمومًا وفي الإسلام على وجه الخصوص يُلاحظ مدى الأهمية التي أُعطيت للأنبياء ولمشروع المعرفة المستندة إلى الوحي الإلهي. إن عالمية وقبول القيم النبوية من قبل البشرية كلها هو ما يبرهن على ذلك.
جميع الأنبياء قد علّموا مبادئا واحدا وعقيدة واحدة. لقد بلّغوا دينا واحدا. فقد دعوا جميعًا إلى طريق التوحيد، طريق الإيمان بإله واحد، من خلال إخراج الناس من ظلمات الشرك والإلحاد. وقد ورد عن النبي ﷺ كما نقلنا سابقًا من حديث في صحيح البخاري: "أفضل ما قلتُه أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله" ولهذا، فإن إنكار أي نبي كأنه إنكار لجميع الأنبياء. وهو أيضًا إنكار للأمم التي اتبعت الرؤية النبوية عبر التاريخ، ويؤدي ذلك إلى الانقسام والاختلاف.
قال الله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون" (آل عمران: 103)
وقال تعالى كذلك: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا، إني بما تعملون عليم. وإن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون. فتقطعوا أمرهم بينهم زُبرًا، كل حزب بما لديهم فرحون" (المؤمنون: 51-53)
على الرغم من اختلاف الأزمنة والأمكنة، فإن جميع الأنبياء كانوا مطبقين على عقيدة متحدة وفكرة متفقة، إن عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألف نبي على الرواية المشهورة، كما أشرنا سابقًا. وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات الطفيفة في القوانين الاجتماعية والطقوس التعبدية فيما جاء بها الأنبياء وفقا لما يتناسب مع ظروف الزمان والمكان وتطور البشرية، إلا أن وحدة العقيدة كانت دائمًا حاضرة. وقد تجرأ البعض على قياس الرؤية النبوية بعقولهم الخاصة أو بمقاييس بشرية، فشوّهوا تلك القيم من أصولها، وانحرفوا عن المبادئ والمفاهيم الأصلية.
وباختصار، فإن جميع الأنبياء من أول نبي آدم عليه السلام إلى خاتمهم محمد ﷺ، قد قدموا لأقوامهم تعاليم موحّدة تقوم على عقيدة التوحيد والإيمان بالآخرة، وترشد إلى إصلاح الحياة المادية على ضوء هذه العقيدة. ومن هنا يتضح أن الدين الأصلي للبشرية هو الإسلام. أما بقية الأديان التي نراها اليوم فهي أشكال نشأت نتيجة لفهم وتفسير تلك المبادئ الأساسية لذلك الدين الأصلي بصورة مختلفة، فهي في الحقيقة ليست إلا معتقدات وممارسات تشكلت حديثًا عندما تم محو بعض جوانب تلك الدروس التي دعا إليها الأنبياء بتوجيه إلهي، وأضيفت إليها بعض الجوانب التي تم اختلاقها من قبل الناس ذاتيا.



