القرآن الكريم يتعامل مع جميع الرؤى النبوية في التاريخ على قدم المساواة، ويأمر المؤمنين بعدم التفريق بين الأنبياء، كما في قوله تعالى: "لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ". (انظر البقرة: 136,285، آل عمران: 84). ومع ذلك فإن للنبوّة الخاتمة خصائصها ومميزاتِها الفريدة. إنه المبادئ الأساسية لفلسفة الإيمان التي أوتيت للبشرية جمعاء. وهناك بعض المبادئ الأساسية التي بُنيت عليها الرسالة التي جاء بها النبي محمد ﷺ تُميز نبوّته عن غيرها من النبوات، وهذه الخصائص لا يمكن فهمها جيدًا إلا ببعض التصورات الأولية حول مكانته النبوية ومهمته العالمية.
أولًا: لقد سبق بعثته ﷺ العديد من بعثات الأنبياء. لم يذكر القرآن الكريم عددهم على وجه التحديد، لكنه أكد في مواضع متعددة أن الأنبياء قد أُرسلوا إلى كل أمة (انظر النحل: 26، فاطر: 24). وقد أشرنا من قبل إلى حديث رواه الصحابي الجليل أبو ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ يذكر فيه أن عدد الأنبياء بلغ مئة وأربعة وعشرين ألفًا. وبناءً على تحليل علماء القرآن والحديث وكذلك المؤرخين والباحثين في الحضارات البشرية، فإن من الواضح أن كل شعب من شعوب العالم القديمة التي كانت قائمة قبل نزول القرآن الكريم قد أُرسل إليهم عدد من الأنبياء. ولكن عدد من احتفظ التاريخ بذكرهم قليل جدًا، ولا نعرف عن تعاليم كثير منهم شيئًا. لم تُسجَّل صفاتهم، ولا نعلم على وجه اليقين زمن حياتهم أو أماكن إقامتهم. لا نعرف أنسابهم، ولا أسماء آبائهم أو أبنائهم أو أصدقائهم أو أعدائهم. ومن ذلك يُفهم أن إرسالهم كان محدودًا بإطار محدد من الزمان والمكان ، ولو كانت دعوتهم ذات طابع عالمي أو أبدي لبقيت محفوظة في ذاكرة التاريخ.
ثانيًا: حتى بالنسبة للأنبياء الذين نعرفهم اليوم فإن عدد الذين نملك عنهم معلومات دقيقة كـ: متى وُلدوا؟ كيف نشأوا؟ كم عاشوا؟ وأين توفوا؟ هو عدد قليل جدًا. وغالبًا ما نجد في هذا الباب افتراضات وتخمينات وظنون. وإذا أخضعنا تلك المعطيات لما يُعرف بمنهج النقد التاريخي "(Historical Critical Method)، نجد أن ما يتفق مع معايير التحقيق العلمي والموضوعية منها قليل جدا، حتى أن النقاد التاريخيين يشككون في أسماء بعضهم. ولا يقتصر هذا على الأنبياء الذين يؤمن بهم المسلمون فقط، بل يشمل أيضًا من يعتبرهم غير المسلمين رموزًا دينية. فالبوذا وزرادشت وكرشنا، وغيرهم من الشخصيات التي يُعتقد أنها من "الرجال الصالحين"، لا تتوافر لدينا معلومات مكتملة عن حياتهم، حتى بعد جمع كل ما لدينا من مصادر. بل إن في بعض الروايات المنتشرة عنهم ما لا يمكن قبوله، لا منطقًا ولا أخلاقًا، بل يتعارض مع الفطرة السليمة. ومن هنا فإن الاعتقاد بأن نظمًا حياتية كاملة وسليمة يمكن أن تتأسس على تلك النصوص المتوفرة عنهم، يُعدّ ضربًا من السذاجة.
ثالثًا: إن أولئك الأنبياء أو الأشخاص أو أتباعهم لم يدّعوا لأنفسهم أو لدعوتهم أي طابع عالمي أو أبدي، بل كانوا يعتقدون أن رسالتهم خاصة بقومهم فقط. باستثناء ثلاثة أديان البوذية، المسيحية، والإسلام. ويرى السير توماس أرنولد أن هذه الأديان الثلاثة هي ذات طابع تبشيري (Missionary Religions).
وقد عرّف بعضهم "الدين التبشيري" بأنه الدين الذي يعتبر مؤسسه أو أصحابه أن نشر الحقيقة وتحويل غير المؤمنين إلى دينهم واجب مقدس، ذلك الواجب لا ينبع من تعصب، بل من إيمان راسخ بالحقيقة التي تملأ قلوبهم، فلا يهدأ لهم بال حتى تصل رسالتهم إلى كل نفس بشرية، وحتى يؤمن بها كل فرد من أفراد الأسرة البشرية، كما يؤمنون هم بأنها الحق.
لكن الحقيقة أن أياً من الديانات غير الإسلام التي أشار إليها آرنولد، لا تحتوي نصوصها الأصلية على ما يؤيد الدعوة الدينية خارج النطاق الاجتماعي الذي نشأت فيه. نبدأ بالحديث عن الديانة البوذية، وهي منظومة فكرية يتراوح عدد أتباعها اليوم بين 230 مليون إلى 500 مليون نسمة حول العالم. وقد أسسها رجل يدعى «سيدهارتا» المعروف باسم «غوتاما بوذا»، ويقال إن بوذا كان يرى أنه لا ينبغي التفكير في الإله، بل ويعتقد أن الإنسان لا يمكنه إدراك أي شيء خارج محسوساته الخمس. والفلسفة البوذية كما تُعرف اليوم ليست إلا مجموعة من الأفكار التي أُضيفت لاحقًا على لسان بوذا، من قبل أشخاص مختلفين. وبسبب الفراغ الروحي الناتج عن غياب مفهوم الإله في تلك الفلسفة بدأ أتباع بوذا في وقت لاحق ينسبون إليه صفات خارقة وقدرات فوق بشرية، حتى صوّروه في بعض الأحيان كإله الشمس، ثم جعلوه في النهاية إلهاً بحد ذاته. كما أن سيدهارتا لم يُظهر أي اهتمام بتعيين خلف له، ولا بجمع أفكاره في نصوص محددة. أما ما يُعرف اليوم بـ "البوذية العالمية"، فقد نشأ فعلا بعد موته بأربعة قرون، من خلال تشكُّل عدد من الفرق والتنظيمات المختلفة.
أما بالنسبة للمسيحية فإن النص الأخير في إنجيل متى هو الذي يستند إليه المبشرون المسيحيون في تأكيد عالمية رسالتهم، لكن هذا النص حسب رأي كثير من علماء الكتاب المقدس هو إضافة لاحقة وليست من النص الأصلي. وقد أُدرج هذا التحفظ كملاحظة في عدة نسخ من الكتاب المقدس. بل نجد في نصوص كثيرة من الإنجيل نفسه أن عيسى عليه السلام يصرّح بأن مهمته منحصرة في بني إسرائيل فقط (انظر مثلًا: متى 10:5-6، متى 15:24). وكان رد فعل يسوع على امرأة يونانية من أصل سوري فينيقي عندما ألحت عليه أن يتقبلها هي الأخرى تلميذة له «ليس من الحسن أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب" (مرقس 7:27). وهذا يدل بوضوح على أن دعوة المسيح لم تكن عالمية، بل كانت موجهة إلى بني إسرائيل فقط.
رابعًا: كل هذه النقائص تنطبق على كتبهم المقدسة أيضا. عدد الكتب المقدسة التي وصلت إلينا من تلك الديانات قليل جدًا، ومن بينها لا يوجد أي كتاب - باستثناء القرآن الكريم - وصلنا كما أنزل، دون تغيير أو تحريف. أما الكتب المتوفرة فهي نفسها تشهد على عدم اكتمالها. بل نجد أن نفس الكتاب يتعدد في نسخ مختلفة، وتنتشر فيه القراءات المتنوعة، حتى يضطر القارئ إلى التساؤل: "أيها هو الصحيح؟ وأيهما أقرب للصواب؟" ولا يوجد أي من هذه الكتب - ما عدا القرآن - يستند إلى النسخة الأصلية المكتوبة بلغتها الأولى. فعلى الرغم من أن بعض نسخ الكتاب المقدس باللغة العبرية أو السريانية متاحة اليوم فإن الحقيقة التي لا يُنكرها علماء الكتاب المقدس أنفسهم هي أن تلك النسخ ما هي إلا ترجمات أُعيدت لاحقًا من اليونانية أو اللاتينية إلى اللغات الأصلية، بعد أن فُقدت النصوص الأصلية لمئات السنين. ومعظم اللغات التي كُتبت بها تلك الكتب لم تعد لغات حية، وبعضها اندثر تمامًا. وهذه كلها عقبات كبيرة أمام فهم تعاليم أولئك الأنبياء من مصادرهم الأصلية.
خامسًا: إن سيرة النبي محمد ﷺ متفردة منقطعة النظير في كل المواضيع التي تم التطرق إليها. فجوانب حياته كلها قد تم توثيقها توثيقًا تامًا، ليس من ولادته إلى وفاته الجسدية فقط، بل حتى عن حياته في العالم الآخر نجد شروحات دقيقة متوفرة من خلال سلسلة روايات موثوقة بها لا غبار عليها، فحياته الطاهرة وزوجاته ووالداه وأولاده وأقاربه وأصدقاؤه وأتباعه ومندوبوه وكتّابه ومبلّغو رسالته كلهم معروفون جيدًا في التاريخ. حتى ثيابه وسيفه ووسائل تنقله وبيته وفراشه وبسطته جميعها نُقلت إلى الأجيال بوصفها الكامل من خلال الصحابة الكرام. ولا يزال العديد من آثاره محفوظة إلى يومنا هذا في بقاع مختلفة من العالم. وكذلك سيرته ﷺ فهي وحدها التي يمكن قراءتها في صفحات الكتب دون أن يغيب منها لحظة واحدة من حياته، وهذا لا يتوفر لأي شخصية أخرى. والرواة الذين نقلوا هذه السيرة العظيمة وسيرهم الذاتية كذلك معروفة جيدًا في التاريخ. بل ظهرت فروع علمية كاملة لدراسة رواة السيرة النبوية فقط.
لقد قدّم النبي ﷺ خطة حياة متكاملة. وكل مجتمع مدني متطور لم يجد في هذه الخطة أي عنصر ناقص أو بدائي. لا يمكن لأحد أن يدّعي أن هناك جانبًاما أغفله النبي ﷺ أو أنه لم يكن ذا أهمية. إن تعاليم الأنبياء السابقين ما زالت تصلنا بطرق مختلفة، فعندما نذكر الحب والرحمة والشجاعة والأخلاق والعدل والإيمان فإننا نذكر الكثير منهم. وكثيرًا ما نشير إليهم عند ذكر صفات معينة. لكن كل هذه القيم موجودة مجتمعة في النبي ﷺ. لا توجد قيمة واحدة تعلمناها من غيره إلا وهي ظاهرة في حياته. كل ما علّمه نجده قد تَمثّلَ في حياته صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
أما العنصر الأبرز الذي يميز النبي محمدًا ﷺ عن الأنبياء السابقين، فهو أنه ادّعى الشمولية والعالمية واختتام النبوة. إن رؤاه وتعاليمه شاملة وكاملة. وهذه التعاليم صالحة للتطبيق وباقية ما دامت الحياة والإنسانية. فهي ليست حكرًا على الجزيرة العربية، ولا على القرن السادس الميلادي، ولا على الرجال فقط. إنها لا تفرق بين الأجناس أو الألوان أو الأوطان أو اللغات. إن القيادة الكاملة للبشرية كلها في مسار الإيمان والعمل الصالح إلى يوم القيامة أُعطيت له وحده، وهو ﷺ وحده من ادّعى أنه رسولٌ مرسلٌ إلى البشرية جمعاء. وبالضرورة، فإن ذلك يتضمن أمرين أساسيين؛ أولًا: كمال كتابه السماوي، ثانيًا: اختتام النبوة به.
إن كمال القرآن الكريم وتمامه وسعة موضوعاته هي من الحقائق التي نالت قبولًا واسعًا ومعترف بها عالميًا. ولا يزال قائمًا إلى اليوم كما نزل من مصدره الأصلي، دون أن يطرأ عليه أي تغير. فلم تندثر لغته الأصلية، ولم تتغير مفرداته أو تُستبعد معانيه، رغم ما طرأ على حياة البشرية من تطور حضاري واجتماعي لا يُحصى. ولم تصبح لغته قديمة أو مفرداته بالية رغم مرور العصور؛ بل لا تزال استعمالات القرآن البلاغية هي المقياس الأعلى في تقييم الأدب العربي. وحتى اليوم تصدر مؤلفات ودراسات كثيرة -علمية وغير علمية- بمختلف لغات العالم مما تكشف جمال لغة القرآن وسحره الأدبي وروعة تعبيره. وليس القرآن بمعزل عن التقدم العلمي، بل يواكبه في كل تصريحاته بنظرة مستقيمة، ويفتح آفاقًا جديدة للتجارب والملاحظات والتفكر والتأمل. وقد أقر العديد من العلماء قديمًا وحديثًا بهذه الحقيقة.
إن ختم النبوة هو نتيجة ضرورية من نتائج بعثة النبي محمد ﷺ. وأهم ما يميز هذه الخاتمية هو استمرار رؤاه وتعاليمه بكمالها دون نقصان. في العصور السابقة، كانت الحاجة تتجدد لإرسال رسل جدد بسبب نسيان التعاليم السابقة أو ضياعها، بل حتى حضور الأنبياء في التاريخ نفسه قد اندثر. فقد اختفت أسماؤهم وآثارهم، واندثرت طرق تعليمهم ونماذج حياتهم. ولم تعد البقايا الموجودة منهم قادرة على استيعاب تطور الأزمنة أو نمو الحضارات أو تحضُّر المجتمعات، الأمر الذي أوجب إرسال تعاليم وشرح جديد مرارًا، لكن الصورة الحقيقة للقرآن الكريم وسيرة النبي ﷺ –التي تُعد تفسيرًا حيًّا له – لا تزال محفوظة دون أي تغير في أصالتها ومرجعيتها أو كمالها أو وضوحها وإشادها للبشرية جمعاء، وستبقى كذلك إلى قيام الساعة. إنها النموذج الكامل الشامل العالمي والإنساني للمعرفة الحقة والإيمان الصادق، دون أن تتغير أو تنقطع؛ ولهذا فإن مجيء رسول جديد بعد ذلك ليس له أي معنى منطقي.
والآن، لنُلقِ نظرة على ما توفر من الروايات التاريخية حول حياة الأنبياء الخمسة والعشرين الذين



