وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا (النحل: 36)
وَاِنْ مِّنْ اُمَّةٍ اِلَّا خَلَا فِيْـهَا نَذِيْرٌ (فاطر: 24)
هذا من الأمور التي كررها القرآن الكريم مراراً. والكلمة المترجمة هنا إلى "قوم" هي "أمة" في الأصل العربي. وقد استخدمت هذه الكلمة في عشرة معانٍ مختلفة في القرآن الكريم (انظر: "أمة"، مجد الدين الشيرازي الفيْروزآبادي، بصائر ذوي التمييز، 2:79). وفي هذه الآيات، استخدمت الكلمة بمعناها القريب من كلمة "Nation" في اللغة الإنجليزية. ويقصد بـ "أمة" هنا جماعة من الناس مرتبطة بمكان معين، أو لغة، أو ثقافة، أو نسب، وغالبًا ما تكون هذه الجماعة منظّمة تحت سلطة حُكم أو نظام إداري ما. ووفقًا لهذه الآيات، فإن الأنبياء قد أُرسلوا إلى جميع هذه الأمم التي كانت قائمة منذ العصور القديمة.
وفقًا للبحوث التاريخية والدراسات الأثرية المتوفرة حاليًا، فإن أقدم المجتمعات الإنسانية التي عاشت على الأرض كانت في مناطق مثل: بلاد ما بين النهرين، مصر القديمة، حضارة هارابا وموهنجودارو في وادي السند بالهند، نهر هواينغ هو في الصين، جزيرة كريت (حضارة المينويين)، أمريكا الوسطى (المجتمعات المايا الأولى)، المناطق الشمالية من صحراء السهارى، جنوب الهند (البروتو درافيديون)، وسط المكسيك (حضارة الأولمك)، وستونهينج في إنجلترا. وتُعتبر حضارة وادي السند، التي بدأت حوالي سنة 3300 قبل الميلاد، من أقدم هذه الحضارات.
وبالرغم من عدم توفر دلائل أثرية عن المجتمعات التي سبقت ذلك، فإن مفسري القرآن الكريم والمؤرخين الإسلاميين قد أشاروا إلى أن المجتمعات البشرية قد وُجدت منذ عهد النبي آدم عليه السلام، أي قبل هذه الحضارات بما يقارب ألف وخمسمئة سنة. ووفقًا لما نقله الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره عن كتاب الطبقات الكبرى للمؤرخ المشهور محمد بن سعد البغدادي، المتوفى سنة 168 هـ / 784 م، فإن المدة الزمنية التقريبية بين النبي آدم عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم تم تحديدها كما يلي:
الفترة الزمنية
المدة (بالسنوات)
من آدم عليه السلام إلى نوح عليه السلام 1000
من نوح عليه السلام إلى إبراهيم عليه السلام 1000
من إبراهيم عليه السلام إلى موسى عليه السلام 1000
من موسى عليه السلام إلى عيسى عليه السلام 1700
من عيسى عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم 569
المجموع 5269
ذكر في حديث رواه الإمام الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن بين النبيين آدم ونوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام كانت هناك عشر أجيال[2]. وكلمة "قرون" التي وردت في الحديث تُترجم أحيانًا إلى "قرون مئوية"، أي أن كل جيل يعادل قرنًا (مائة سنة). وبناءً على هذا الفهم، يُستنتج أن الفترة بين هؤلاء الأنبياء كانت حوالي ألف سنة لكل مرحلة. وقد ذكر ابن سعد رضي الله عنه هذا التقدير بشكل خاص. معتمدًا على هذا الافتراض، يمكن تقدير بداية عهد النبي آدم عليه السلام بحوالي سنة 4700 قبل الميلاد. وإنما أرسل الأنبياء إلى "أمم"، وهذا يدل على أن هناك حضارات أقدم من تلك التي اكتشفتها دراساتنا الأثرية والبحوث التاريخية حتى الآن، ولا يزال من الممكن اكتشافها في المستقبل.
وقبل عهد النبي آدم كان في الأرض كائنات شبيهة بالإنسان وكانت تتقاتل فيما بينهم، ويمزق بعضهم بعضًا، وتسفك الدماء، وتخوض في صراعات أنانية من أجل "البقاء". ثم بعد ذلك، عُيِّن آدم عليه السلام خليفةً ليكون بديلاً عنهم. فقام النبي آدم عليه السلام بتعليم قومه عن خالقهم، وأيقظ فيهم الشعور بضرورة وجود هدف لحياتهم، وسعى إلى أن يكونوا مجتمعًا متحضرًا. وقد أورد ابن سعد في كتابه "الطبقات" عن عكرمة أن الأجيال العشرة التي كانت بين آدم ونوح عليهما السلام آمنت بالله واتبعت شريعة الله [3]. وهذا يدل على أن الإيمان بالله كان قائمًا في المجتمعات البشرية الأولى.
[2] الطبراني. المعجم الأوسط، المجلد 1، دار الحرمين، القاهرة، ص 128.
[3] ابن سعد. الطبقات الكبرى، المجلد 1، دار صادر، ص 53.



