الأنبياء هم شخصيات رفيعة المقام، اختارهم الله ليكونوا هداةً للشعوب ومصدرًا للقدوة الصالحة. ولهذا السبب، فقد منحهم الله عصمةً خاصة من الذنوب والمعاصي. فكل مجالات حياتهم الدينية تُعدّ نموذجًا يُحتذى به، وهم محفوظون من الوقوع في ما يُعدّ ذنبًا شرعًا. وتُسمّى هذه الحماية الإلهية الخاصة بـ"العِصمة". فلا يقع منهم كذب، ولا خيانة، ولا عبادة للأصنام، ولا زنا، ولا سرقة، ولا قتل ظلمًا، ولا استهزاء بالناس، ولا سخرية، ولا فجور من أي نوع. بل هم منزهون عن كل فعل يتنافى مع الكمال الأخلاقي والنبوي.
ومع ذلك فإنهم بشر، قد يصيبهم بمقتضى البشرية ما يصيب أي بشر، مثل الخوف، أو المرض، أو النسيان. ولكن وقوع مثل هذه الأمور لا يُخلّ بمنزلتهم النبوية، بل يؤكّد بشريتهم فقط، دون أن يمسّ بعصمتهم في الدين والرسالة. فهم لا يخطئون في تبليغ الرسالة، ولا يُقصرون في أداء الأمانة، ولا يتجاوزون حدود الله في أمرٍ من الأوامر الشرعية.
مثال على ذلك: في يوم من الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس إحدى صلاتى العشى إما الظهر وإما العصر، فسلم فى ركعتين، ثم أتى جذعا فى قبلة المسجد، فاستند إليها مغضبا، وفى القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت. فنظر النبى صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا فقال « ما يقول ذو اليدين ». قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع. وفي رواية أخرى متفق عليها أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم «إنه لو حدث فى الصلاة شىء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى، وإذا شك أحدكم فى صلاته فليتحرى الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين»
وهكذا علّمهم بذلك حكم السهو في الصلاة، فصار الموقف بحد ذاته درسًا عمليًا في الفقه، وعبرةً تعليميةً عظيمة للمؤمنين. وبهذا نعلم أن ما يحدث للأنبياء، حتى من نسيان أو سهو، لا يكون خارج علم الله وتقديره، بل يكون فيه خير وتربية للأمة.
نعود إلى نبي الله آدم عليه السلام. لقد أمر اللهُ الملائكةَ، ومعهم إبليس، أن يسجدوا لآدم تعظيمًا وتكريمًا له، لما آتاه الله من علم وفضل. فسجد الملائكةُ كلهم، إلا إبليس، أبى واستكبر وكان من الكافرين. لم يكن رفضه سهوًا، بل كان عن علمٍ وتعمّدٍ، وتكبر، وحاول تبرير معصيته بمنطقه المتهافت قائلًا: "أنا خيرٌ منه، خلقتني من نار وخلقته من طين"، فكان ذلك سببًا في طرده من الجنة، وابتعاده عن رحمة الله.
كانت عداوته وحقده موجهة إلى آدم عليه السلام. فقد علم أن آدم خُلق ليكون خليفة في الأرض، وأنه طرد من الجنة التي كان يخيل إليه أنه يسكنها إلى الأبد ، وكان يعلم أن بقاء آدم في الجنة سينتهي عند لحظةٍ ما، وتحديدًا عند أكله من الشجرة المنهي عنها. فتقرّب إبليس إلى حواء متقمصا بقميص الناصح الأمين، وقال لها بخداع: "إن أكلتما من هذه الشجرة، ستصبحان ملائكةً، أو ستخلدان في الجنة إلى الأبد، ولذلك نهاكما الله عنها." وأخذ يؤكّد كلامه بقوله: "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين". وهكذا خدع إبليس حواء بكلامه المضلّل، فاغترّت، ثم أغرت آدم، فنسي كِلاهما النهي، وأكلا من الشجرة. لكنّ آدم عليه السلام ما إن وقع في الخطأ حتى تنبّه، وأدرك أنه أذنب، ولم يكن فعله عن عمد أو إصرار. بل كان ناتجًا عن غفلة. فغمره الندم، واستولى عليه الحزن، وامتلأ قلبه بالتوبة.
وقَبِل الله توبته، فهو سبحانه لا يُعاقب من يخطئ عن غير قصد ثم يتوب. لقد غفر له وهو لا يزال في الجنة، وقبل أن يُنزَل إلى الأرض. فالنزول إلى الأرض كان جزءًا من الخطة الإلهية المُسبقة، وليس عقوبة على الأكل من الشجرة. ولم يكن بين الأكل من الشجرة والخلافة في الأرض أي علاقة سببية.
ومغزى هذه القصة القرآنية هو أن توقظ في قلب المؤمن الإلهام والدروس والعِبر. لقد انتهك آدم نهيًا إلهيًا، وكذلك إبليس، لكن شتّان بين الحالتين! إبليس خالف الأمر عنادًا وتكبرًا، وهو يعلم أنه عاصٍ. أما آدم فقد أذنب عن غفلة، ولمّا علم بخطئه، بادر بالتوبة والرجوع إلى الله.
وهذا هو ما ينبغي للمؤمن أن يتأمله: كيف كان تفاعل كل منهما مع الخطأ؟ فما إن أدرك آدم عليه السلام خطأه، حتى بكى وتضرّع قائلاً: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين."، لكن الشيطان، الذي عصى الله عن وعيٍ وإصرار، قال له: "بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ..."
فالحياة البشرية على الأرض تمثل صراعًا بين طبيعةٍ نبويةٍ تندم على الخطأ رغم أنه صادر عن غير عمد، وبين نفسٍ شيطانيةٍ تتهم الله – والعياذ بالله – بأنها السبب في غوايتها، دون أن تتحمل مسؤولية معصيتها رغم تماديها في الكبر والعصيان. ومن رجع إلى الله بتواضع، فإن الله يتقبله ويكرّم ذريته، ويقوده إلى جناتٍ خالدةٍ عطرةٍ متألقة. أما من غلب عليه الكِبر والعناد، فسيُلقى في وقود الجحيم الحارقة، وفي هذا عبرة لأُولي الألباب.



