من الأسئلة الشائعة في مثل هذه النقاشات: إذا كان الله قد أرسل رسلاً إلى كل أمة، فمن الأنبياء الذين أُرسلوا إلى الهند، والصين، وأوروبا، وأمريكا؟ ولعل هذه الإشكالية نشأت من أن القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية لم تتناول أسماء الأنبياء المبعوثين إلى هذه المناطق صراحةً.
في حديث رواه الإمام الطبراني، نُقل عن الصحابي أبو ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد الأنبياء، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: مئة وأربعة وعشرون ألف نبي. ولكن من بين هؤلاء، لم يُذكر في القرآن الكريم إلا خمسة وعشرون نبيًا فقط، أي ما يعادل 0.02% من العدد الإجمالي. وذُكر هؤلاء فقط لتوضيح الرؤى التوجيهية التي يعرضها القرآن الكريم. أما البقية، فلم يُذكروا. والقرآن الكريم نفسه يقول: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِّنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ" (المؤمنون: 78)
لقد كانت هناك حضارات ومجتمعات بشرية قديمة منذ العصور السحيقة، مثل حضارة بلاد ما بين النهرين، والحضارة المصرية القديمة، وحضارة وادي السند في الهند، وغيرها. ومع ذلك، فإن معرفتنا بهذه المجتمعات لا تزال محدودة للغاية. وما نعرفه هو بفضل ، والتي تم تفسيرها وعرضها على ضوء عقولنا ومنطقنا والافتراضات ،
وذلك ليس إلا عرضا خياليا انبثق من عقولنا ومنطقنا على ضوء المكتشفات الأثرية، وبعض الهياكل القديمة التي اكتشفها علماء الآثار وغيرهم. وليس بناءً على الوثائق التاريخية الموثوق بها؛ لذلك ليس من المستغرب أننا لا نعرف القادة الدينيين أو الاجتماعيين لتلك المجتمعات المنسية. لكن مع ذلك، علينا أن نتذكر أن ما وصلنا من معلومات يشير إلى أن الإيمان بالإله كان قائمًا في تلك المجتمعات.
ألفاظ "المعروف" و"المنكر" في القرآن الكريم
هناك بعض الآيات في القرآن الكريم التي تحتوي على كلمتي "المعروف" و"المنكر"، وهي تستحق التأمل في هذا السياق:
"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (آل عمران: 104)
"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (آل عمران: 110)
"وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُۚ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة: 71)
سيلاحظ لاحقًا أن العديد من الآيات ستستمر في استخدام مصطلحين أساسيين هما: "المعروف" و"المنكر". فما هو "المعروف"؟ وما هو "المنكر"؟ عادة ما يُترجم هذان المصطلحان إلى "الفضيلة" و"الرذيلة" على التوالي، ولكن معناهما اللغوي الأصلي هو: "ما كان معروفًا ومألوفًا"، و"ما أُنكر ورفضه الناس". إذن، ما هي الأمور التي ينبغي لكم أن تدعوا إليها أو تنهوا عنها؟ وما هو مقياس المعروف والمنكر في تلك المجتمعات؟
عندما جاء الإسلام، لم يكن يدعو الناس إلى معتقدات غير مألوفة للبشرية، بل كان يُعيد التذكير بما كان معروفًا لديهم سابقًا من الإيمان بالإله الواحد. وكل من عَبَدَ أو قَدَّس غير الله، كان مما أُنكِر ورُفض في تعاليم الأنبياء السابقين. فالدعوات التي جاء بها أولئك الأنبياء في الأمم السابقة هي التي جعلت التوحيد معروفًا، وجعلت الإلحاد وتعدد الآلهة منكرًا. وعندما انحرف الناس عن هذه القيم العقدية، جاءت الرسالات الإلهية مرةً أخرى لتعيدهم إلى التوحيد الصحيح، وفقًا لهداية إلهية تتناسب مع ظروف الزمان والمكان. وهذا هو الدور الحقيقي الذي قام به الإسلام.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الإنسان، في كل مراحل وجوده، كان يؤمن بالله وبعالم الغيب عمومًا. بل إن أقدم الأديان على وجه الأرض كانت قائمة على التوحيد. لكن ظهرت فيما بعد تفسيرات متعددة لذلك التوحيد، منها:
- الإيمان بإله واحد دون نفي وجود آلهة أخرى، لكن يُعبد إله واحد فقط (Henotheism)
- الإيمان بإله غير شخصي، لا يتدخل في شؤون العالم (Deism)
- الاعتقاد بأن الله ليس كيانًا مستقلًا عن الطبيعة، بل هو الطبيعة ذاتها (Pantheism)
- الاعتقاد بأن الله موجود في كل جزء من الكون، ولكنه في ذات الوقت خارج عن الزمان والمكان (Panentheism)
- الاعتقاد بالتوحيد الفلسفي دون تشخيص الله، (Monistic Theism)
- الاعتقاد بوجود عدة آلهة، لكن جميعها تجليات لكيان واحد (Substance Monotheism)
- الاعتقاد بالثالوث، أن الله ذو ثلاث أقانيم في ذات واحدة (Trinity)
بالإضافة إلى كل ذلك، لا يزال الشرك واعتقاد تعدد الآلهة قائمين في بعض المجتمعات بقوة.
وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم:
"كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (البقرة: 213)
وفي حديث مشهور عن النبي ﷺ، قال: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له." فدعوة الأنبياء جميعًا كانت واحدة: إلى الإيمان الخالص بالله الواحد الأحد، بلا شرك ولا تحريف، وإلى إرجاع الناس إلى هذا الأصل النقي في العقيدة والسلوك.
تظهر الدراسات أن أقدم الحضارات، مثل حضارة السند القديمة، كانت تؤمن بالتوحيد. كما أن نصوص اليَجُور فيدا و الأثارفا فيدا تؤكد على وحدانية الله، ويعلّمنا كينو أوبانيشاد بأن "البرهمان" (الله) لا يُرى بالعين ولا يُسمع بالأذن، لكنه هو الذي يمنح العين قدرة البصر والأذن قدرة السمع، فهو فوق الحواس. كما أن عبارات من إشَافَاسْيَ أوبانيشاد تُشير بوضوح إلى أن عبادة الآلهة المتعددة هي خطيئة .
وفي نصوص ريغفيدا نجد ذكرًا للإله الخالق الواحد بأسماء مثل "هيرنياغربها"، و"فيشفاكَرما"، و"فيرات بوروشا". ويُقدَّم "هيرنياغربها" في الريغفيدا بالنص التالي: "في البداية لم يكن هناك إلا هيرنياغربها، وهو الذي له السلطان على جميع الكائنات. لقد ثبت الأرض والسماء في مواضعهما. منه وُجدت جميع الكائنات. والعالم بأسره يسير وفق أوامره. لذلك، ينبغي أن تُقرب له القرابين وحده".
و الريغفيدا يأمر بأن تُقدَّم القرابين فقط لهيرنياغربها الذي لا بداية له ولا نهاية. وتُظهر نصوص أخرى من الريغفيدا أن فيشفاكَرما (10:81:1) و فيرات بوروشا (10:90:2) يُمدحون بصفات مشابهة. ومن هنا، يمكن اعتبار أن أسماء مثل "براجاباتي"، و"هيرنياغربها"، و"فيشفاكَرما" في الريغفيدا تشير إلى إله واحد، رغم تنوع الأسماء.
ومع أن العديد من الهندوس المعاصرين لا يعرفون حتى بوجود عقيدة التوحيد في ديانتهم، فإن التعليمات التوحيدية الصافية لا تزال باقية في نصوص الفيدات والأوبانيشاد. لذلك يمكننا اعتبار أن التوحيد الذي عُرِف في تلك العصور كان نتيجة دعوة الأنبياء الذين بُعثوا فيهم، وهم من علّموا الناس "المعروف" ونهَوهم عن "المنكر"، لكن، إذا سُئِل: هل بوذا أو كريشنا أو راما أنبياء؟ فالجواب: إن الشخصيات التي نعرفها اليوم من خلال الأدب البوذي أو الهندوسي أو من خلال الأساطير والروايات لا تنطبق عليها المعايير الإسلامية للنبوة، إذ إن صفاتهم العقدية والسلوكية لا تصل إلى مستوى القداسة والنقاء الذي تتطلبه النبوة.



