الإنسان كائنٌ اجتماعيّ بطبعه، ولذلك فهو في جميع شؤون حياته يعيش معتمدًا على غيره ومتفاعلًا معهم. ففي طفولته يعتمد على والديه في طعامه وذهابه ونومه وسائر حاجاته، ويتعلّم منهما - بما في ذلك لغته الأم - المبادئ الأولى للحياة. ثم يرتاد المدرسة فيتلقّى من معلّميه مزيدًا من المعارف، ويظلّ في مراحل تعلّمه وبحثِه، بل حتّى عند طلبه للعمل، يلتمس إرشادَ الآخرين وتوجيههم. ولا ريبَ أنّ خللًا في بعض هذه التوجيهات قد يربكُ إيقاع حياته ويُفسد مسارها.
وهنا تتجلّى حكمة اللهِ تعالى، الإلهِ الحقِّ الواحدِ الذي خلق هذا الكون المنظّمَ الدقيقَ وتولّى تدبيره، إذ جعل النبوّة وسيلة ليَدعو بها عباده إلى الصراط المستقيم، ويزوّدهم بالإرشادات التي تضمن لهم الفلاح في الدارين.
وقد أرسل خالق الكون، عَبر عصور مختلفة، رُسلًا يبلّغون الهداية الإلهية بما يتناسب مع تطوّر البشرية؛ بدءًا من أولهم آدم عليه السلام، وانتهاءً بخاتمهم محمد ﷺ، وكان عددهم - كما ورد في بعض الروايات - مائةً وأربعةً وعشرين ألفًا من الأنبياء.
وقد يُقال: أليس الله سبحانه قادرًا على إنجاز الأمور من غير وسائط؟ فلماذا اختار هذا الأسلوب؟
والجواب أنّ اعتماد الوسائط في مجالات الإدارة وتدبير الشؤون أمرٌ موافق للعقل والحكمة، وفي ذلك تعريفٌ للخلق بنظامٍ مألوف لديهم، يقرّب إليهم الفهم وييسّر عليهم التلقّي.
ومن دلائل حكمة هذا النظام أنّ كلّ أمةٍ بُعث إليها رسولٌ من أبنائها، يتحدّث بلسانها، مما يبرز واقعيته ومنطقيته. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾
(إبراهيم: 4) وإن بقاء رسالة الإسلام حيّةً في العالم إلى يومنا هذا شاهدٌ لا يُنكر على أنّ الرسل قد أدّوا مهمّتهم على أكمل وجه.
والرسل الذين ينهضون بالمهمة العظيمة في وصل الخالق بالمخلوق لا بدّ أن يكونوا منزّهين عن النقائص، مؤهّلين لتلقّي الوحي الإلهي، ممتلكين سلامة الإدراك والبصيرة والسمع، ومؤيَّدين بالقدرة على إدراك ما يبلّغونه من الغيب بإذن الله. ولذلك اختار الله سبحانه من البشر مَن منحهم هذه الخصائص واصطفاهم لهذه الرسالة، وكان لا بدّ أن تتوافر فيهم أربع صفاتٍ أساسية لازمة.
صفات الأنبياء المميّزة هي:
1. الصدق: وهو كمال الصدق في القول والفعل.
2. الأمانة: وهي كمال الثقة وحفظ ما أُؤتمنوا عليه.
3. الفطانة: وهي حدّة العقل ورجاحة الفهم.
4. التبليغ: وهو إيصال الرسالة والدعوة إليها.
ومن اجتمعت فيه هذه الصفات يبيّن للخلق أنّ ما جاءه وحيٌ إلهي، وذلك بما يظهر على يديه من المعجزات؛ وهي أمور خارقة للعادة، لا يستطيع ساحرٌ ولا صاحبُ حيلٍ أو خداعٍ أن يقلّدَها، وتتجاوز الأسباب المألوفة والقوانين المعروفة، فتكون برهانًا على صدقه.
كيف يعرف النبيّ إذا أرسل إلى قوم؟ يبين علم المعرفة في الفكر الإسلامي أنّ وسائل تحصيل العلم ثلاثة:
1. الحواسّ السليمة.
2. الخبر الصادق.
3. العقل (النظر والتفكّر).
ومعرفة النبوّة تعتمد على العقل؛ إذ ننظر في حياة مَن يدّعي تلقي الرسالة الإلهية نظرًا دقيقًا، فنجدهم متحلّين بالصفات اللازمة للنبوة، فيطمئن القلب إلى تصديقهم، فنقبل إرشاداتهم ونسير على هديهم. وهكذا تتجلّى روعة التصوّر الإسلامي في منهجه المتوازن.
والإيمان بجميع الرسل الذين ثبتت نبوتهم واجبٌ على المسلم، وهو الركن الرابع من أركان الإيمان؛ فيجب الإيمان بالأنبياء جميعًا، كإبراهيم وموسى عليهما السلام اللذين يجلّهما اليهود، وعيسى عليه السلام الذي يوقّره النصارى، ويحيى عليه السلام الذي يذكره غيرهم، إذ لا يكون المرء مسلمًا إلا بالإيمان بجميع رسل الله من غير تفريق بينهم. وقد علّم القرآن الكريم ذلك بقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ۚ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (البقرة: 285)
كما بيّن القرآن ضلال من يكفُر بالرسل، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: 136).
النبوّة والرسالة
يطلق لفظ النبوّة على تلقي الوحي الإلهي، ومن اتصف بذلك يُسمّى نبيًّا. أمّا الرسالة فهي النبوّة المقرونة بالأمر بتبليغ الوحي والدعوة إليه، ومن اتصف بها يُسمّى رسولًا.
وقد بلغ عدد الأنبياء - في الروايات المشهورة - مائةً وأربعةً وعشرين ألفًا، منهم ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رسولًا، وقد ذكر القرآن الكريم خمسةً وعشرين منهم، وهم:
1. آدم عليه السلام
2. إدريس عليه السلام
3. نوح عليه السلام
4. هود عليه السلام
5. صالح عليه السلام
6. إبراهيم عليه السلام
7. لوط عليه السلام
8. إسماعيل عليه السلام
9. إسحاق عليه السلام
10. يعقوب عليه السلام
11. يوسف عليه السلام
12. أيوب عليه السلام
13. شعيب عليه السلام
14. هارون عليه السلام
15. موسى عليه السلام
16. اليسع عليه السلام
17. ذو الكفل عليه السلام
18. داود عليه السلام
19. سليمان عليه السلام
20. إلياس عليه السلام
21. يونس عليه السلام
22. زكريا عليه السلام
23. يحيى عليه السلام
24. عيسى عليه السلام
25. محمد ﷺ
ومن بين هؤلاء خمسةٌ عُرفوا بـ أولو العزم، وهم الذين تحمّلوا أشدّ الابتلاءات وصبروا في تبليغ رسالة الإسلام، وهم:
1. نوح عليه السلام
2. إبراهيم عليه السلام
3. موسى عليه السلام
4. عيسى عليه السلام
5. محمد ﷺ



