لقد شاءت حكمة الله تعالى أن لا يترك عباده هملاً، بل بعث في كلّ أمّةٍ نذيرًا، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينذرهم من عبادة المخلوقين، ويُرشدهم إلى صراط الله المستقيم. فتعاقب الأنبياء على مدى الأزمان، من آدم عليه السلام إلى خاتمهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، كلُّهم على دعوةٍ واحدةٍ هي دعوة التوحيد، وإن اختلفت شرائعهم في بعض الأحكام التفصيلية التي تناسب أحوال الأمم والأزمنة.
وقد أنزل الله تعالى على بعض أنبيائه كتبًا سماويةً تحمل أوامره ونواهيه، وتفصيل شريعته وهدايته، كما أنزل على آخرين صحفًا فيها مواعظ ربّانية وكلماتٌ من نوره وهداه فأعطى الله موسى عليه السلام التوراة، وداود عليه السلام الزبور، وعيسى عليه السلام الإنجيل، وختم هذه السلسلة المباركة بالقرآن العظيم الذي أنزله على نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ليكون مصدّقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، وشريعةً خالدةً إلى قيام الساعة.
كما أنزل الله تعالى صُحفًا على بعض أنبيائه، فكانت لآدم عليه السلام عشر صحف، ولشيث خمسون صحيفة، ولإدريس ثلاثون صحيفة، ولإبراهيم عليه السلام عشر صحف، وكلّها تتضمّن الدعوة إلى الإيمان بالله وحده، وإلى مكارم الأخلاق وطهارة النفس.
والإيمان بهذه الكتب جميعها ركنٌ من أركان الإيمان لا يتمّ إيمان المسلم إلّا به، إذ يجب عليه أن يؤمن بكل ما أنزله الله على أنبيائه، دون تفريقٍ أو تمييز، كما قال تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 84]
فالقرآن الكريم جاء مصدّقًا للكتب السابقة، ومكمّلًا لها، مبيّنًا ما ضاع من حقائقها، ومصحّحًا لما نالها من تحريفٍ وتبديل. قال عيسى عليه السلام كما حكى عنه القرآن: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. [آل عمران: 50] وقال تعالى عن القرآن: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ .[آل عمران: 3–4]
التوراة
التوراة من الكتب السماوية أنزلها الله تعالى على نبيّه موسى عليه السلام، وكان بلغة العبرانية على أرجح الأقوال. كانت التوراة منار هدايةٍ لبني إسرائيل، وفيها أحكام الله وشرائعه، ومبادئ التوحيد والإصلاح، فكان الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام يدعون إلى ما دعت إليه التوراة من عبادة الله وحده، ونشر العدل بين الناس.
وقد شهد القرآن الكريم بصدقها وأصالتها في أصلها الإلهي، فقال الله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ
[المائدة:] فهي كتاب هدايةٍ ونور، أنزله الله ليقود الناس إلى سواء السبيل، قبل أن تمتدّ إليه أيدي التحريف والتبديل.
الزبور
هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيّه داود عليه السلام، ومن الممكن أن يكون بالعبرانية أو بالسريانية. وهو كتاب تسبيحٍ وتمجيدٍ ودعاء، يغمره الإيمان والرجاء، وفيه المواعظ والعِبَر التي تزكّي النفوس وتلين القلوب. وقد جاء ذكر الزبور في القرآن الكريم في أكثر من موضع. قال تعالى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: 55] وقال سبحانه: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. [الأنبياء: 105] فهو كتاب يُذكّر الإنسان بأنّ العاقبة للمتقين، وأنّ الله وعد عباده الصالحين بوراثة الأرض ونيل رضوانه.
الإنجيل
هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيّه عيسى ابن مريم عليه السلام، وكان بلغة السريانية، لغة قومه. وقد جاء الإنجيل مكمّلًا لما قبله من التوراة، مصدّقًا لها في أصولها، ومخفّفًا عن بني إسرائيل بعض التشديدات التي كانت عليهم، وداعيًا إلى التقوى والرحمة والإخلاص لله وحده.
قال الله تعالى في شأنه: وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ. [المائدة: 46] فالإنجيل – في أصله الإلهي – كتاب هدى ونور، دعا إلى الإيمان، والمحبة، والطهارة، والرجوع إلى الله تعالى، قبل أن تمتدّ إليه يد التحريف وتُغيّر معالمه.
وفي الختام، فإنَّ الكتب السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه في الأمم السابقة - التوراة والزبور والإنجيل - كانت منارات هدى، ومصادر نورٍ ورحمةٍ للناس في أزمانها، تهديهم إلى عبادة الله وحده، وتقيم فيهم ميزان العدل والإحسان ، قبل أن يمتدّ إليها يد التحريف والتبديل، غير أن تمام الهداية وكمال الرسالة قد خُتما بالقرآن الكريم، الذي جاء مصدّقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، ليبقى النور الإلهي متصلًا لا ينطفئ، ورحمة الله ممتدة إلى قيام الساعة.



