سأل رسول الله ﷺ: أوَأنتَ أيضًا خارجٌ إلى بدر يا عثمان؟
كان هذا السؤال لمّا علِمه من شدّة مرضِ ابنتِه الحبيبة، زوجةِ عثمانَ رضي الله عنه، فقد كانت في حالٍ من الوهن لا يُرجى معها النهوضُ. وكان في طيّ السؤال توجيهٌ رفيقٌ بأنّ بقاءَه إلى جانب زوجتِه ومواساتَها أولى من الخروج إلى ساحة القتال. فعاد عثمان إلى بيته ممتثلًا، وهو صهر رسول الله ﷺ، وظلّ على الدوام كظلّه ملازمًا له.
لقد كان النبي ﷺ يدعو دائمًا إلى السلم، غير أنّ خصومه لم يكونوا راضين به، فإذا أصرّوا على العدوان لم يكن من سبيلٍ إلا الدفاع. وهكذا خرج رسولُ الله ﷺ مع أصحابه إلى بدر. وكان عثمانُ يرى نفسه في أمسّ الحاجة إلى أن يكون بينهم، غيرَ أن واجبه في تلك الساعة كان ملازمة زوجته والقيام بحقّها.
كانت رقيةُ بنت رسول الله ﷺ في غاية الضعف. فجلس عثمان يواسيها ويخفّف عنها في لحظاتها الأخيرة، حتى همست بكلماتها الأخيرة:لا إله إلا الله…ثم فاضت روحها، فاهتزّ قلب عثمانُ حزنًا، لكنّه أدرك فضل أن يكون إلى جانبها في تلك اللحظة، وكأنّ رسول الله ﷺ قد علم ذلك من قبل.
وبعد الفراغ من دفنها، وبينما هو عائد، أقبل زيدُ بن حارثة رضي الله عنه يحمل البشرى؛ لقد انتصر المسلمون في بدر، ولم يلبث رسول الله ﷺ أن عاد، فسلّم على عثمان وسأله الخبرُ، ثمّ مضى مباشرة إلى المقبرة. وجلس عند قبر ابنتِه، وقد اغرورقتْ عيناه بالدموع.
وكان قلب عثمان مع إخوانه الذين شهدوا بدرًا، لذلك منحه النبيّ ﷺ منزلة مَن شهد ذلك الجهاد، وعدّه في عدادهم. وبعد ذلك، وفي محطاتٍ كثيرة خرج فيها رسول الله ﷺ وأصحابه خارج المدينة، كان عثمان هو الذي يتولّى تدبير شؤونها وحراستها.
فقد كانت الأخطار تحيط بالمدينة، والمتربّصون يتربّصون بها الدوائر، ولا بدّ من قائدٍ راجح الرأي تُسند إليه المسؤولية عند الغياب. فاختار رسول الله ﷺ عثمانَ حارسًا للمدينة، فقام بالمهمّة خير قيام، وأدّاها على أكمل وجه.
