في طفولة بريئة، دار نقاش بين محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر، ابني السيّدة أسماء بنت عُميس رضي الله عنها: "أيّ والدهما أرفع مقامًا؟. قال أحد: "أبي أفضل من أبيك"، وردّ الآخر: "بل أبي هو الأفضل."
وحين احتدم الجدال، لجآ إلى الأمّ لتحكم بينهما. فكان ردّها تاجًا من الحكمة، تفيض عدلًا وذكاءً:
"ما رأيت شابا أطهر من جعفر، ولا رأيت شيخا أفضل من أبي بكر."
فانتهى الجدل.
كانت حياتها مبلّلة بدموع الفراق... مع تساقط النعم وتوالي المحن، ظلت جذور إيمانها ثابتاً. زوّجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي كتب اسمه بمداد البطولة في سجلّ التاريخ. وعانقا الاسلام منذ إشراقه.
لما عانى المؤمنون في مكة من ألوان الاضطهاد، بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفرًا إلى الحبشة مهاجرين، وكانا في طليعتهم. ووجدوا هناك سكينة. رغم ضيق العيش، عاشوا أحرارًا يسجدون لله آمنين. وفي الحبشة، رزقهما الله أبناءً كرامًا: عبد الله، ومحمد، وعون.
بعد أعوام مديدة، عادوا إلى رسول الله، عند فتح خيبر.
فقَالَ عُمَرُ: «الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟». فَقَالَتْ: «نَعَمْ»..
فَقَالَ: «سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ؛ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - مِنْكُمْ».
فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ: «كَذَبْتَ يَا عُمَرُ، كَلاَّ وَاللهِ؛ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِى الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ فِى الْحَبَشَةِ...
وَايْمُ اللَّهِ لاَ أَطْعَمُ طَعَامًا وَلاَ أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.
فَلَمَّا جَاءَ النَّبِىُّ قَالَتْ: «يَا نَبِىَّ اللهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا». فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ بِأَحَقَّ بِى مِنْكُمْ. وَلَهُ وَلأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ». ففرحت فرحا لا يوصف.
في غزوة مؤتة، خرج جعفر رضي الله عنه مجاهدًا في سبيل الله. بعد ساعات، بينما كانت أسماء رضي الله عنها ترعى أبناءها، دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتها، فضمّ أبناء جعفر إلى صدره، وعيناه تفيضان بالدموع.
فسألته: "يا رسول الله، ما فعل جعفر؟"
فقال: "قد استشهد."
تزلزل قلبها تحت وقع المصاب، فخفف عنها النبي، وأمر أصحابه برعاية أسرته. وبرد لهيبها قائلا "لقد أبدل الله جعفرًا جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء." فأضاء قلبها بالرضا، وانقلب ألم الفقد إلى السعادة مرّت الأيام، وجاء خبر الزواج من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقبلت ورزقهما بابنٍ. وعندما تولى الخلافة، كانت دائم الدعم والمساندة. وحين حانته الموت، أوصى أن تغسله أسماء. بعد ذلك تزوجت علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ما هذا التوفيق.
