لم تكن زينب رضي الله عنها تميل إلى الزواج من زيد بن حارثة في بادئ الأمر، لما رأته من تباين في النسب والمقام، فقد كان يومًا عبدًا، وهي من أكرم بيوت قريش. لكن زيدًا رضي الله عنه لم يكن كسائر الرجال، إذ نال شرف العتق والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى عُدّ ابنًا له قبل إبطال التبني. فلما جاء أمر الله وأمرها الرسول، أذعنت زينب طاعةً وإيمانًا، وقالت برضى: "إذا كان هذا أمر الله ورسوله، فذلك ما أحب." هكذا تم الزواج.
في الجاهلية، كان كثير من العرب يرون في العبد المُعتَق منزلة أدنى كالعبد، حتى بعد تحرّره، فجاء الإسلام ليُصحّح هذا المفهوم الجائر، ويقيم ميزان العدل بين الناس. فاختار النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة، الذي أُعتق وتبنّاه، أن يتزوّج زينب بنت جحش، ذات النسب الرفيع، ليكون هذا الزواج شاهدًا حيًّا على أن الكرامة في الإسلام لا تُقاس بنسب أو لون، بل بالتقوى. لقد جسّد هذا الزواج مبدأ المساواة، فكانت زينب رضي الله عنها نموذجًا للطاعة والرضا.
مرَّ عامٌ على زواج زيد وزينب رضي الله عنهما، وخلاله ظهرت بينهما بعض الخلافات في الطباع والرؤية. وكان زيد يلجأ إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستشيرًا ومُلتمسًا النصيحة، فيوصيه النبي مرارًا بإمساك زوجته والصبر عليها. لكن حين بدا أن الوفاق بينهما أصبح بعيدًا، وأن الاستمرار في الحياة الزوجية لم يعد ممكنًا، وقع الطلاق بينهما، وكان ذلك بمشيئة الله لحكمة عظيمة ستتجلّى لاحقًا.
جاء الإسلام ليُصحّح المفاهيم المغلوطة التي ترسّخت في الجاهلية، ومن أبرزها مسألة التبنّي، حيث كان الابن المتبنّى يُعامَل كالإبن الصلبي في النسب والميراث، كما كانوا يرون أن العبد المُعتَق لا يليق بالزواج من الحرائر، وإن طُلّقت بعده، فلا مكان لها بين الأشراف. فأبطل الإسلام هذه التصورات، وشرّع ما يخالفها. وكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى من زينب بنت جحش رضي الله عنها بعد طلاقها من زيد بن حارثة رضي الله عنه تجسيدًا عمليًا لهذا الإصلاح.
من خلال السيدة زينب رضي الله عنها، قدّم النبي صلى الله عليه وسلم للأمة دروسًا عظيمة في الإيمان والطاعة والرضا بقضاء الله. كانت حياتها صفحة مشرقة من صفحات السيرة، تُضيء الطريق لكل مؤمن ومؤمنة، وترسم معالم الصبر واليقين والتسليم.
عن عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن للنبي ﷺ أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: "أطولكن يدا فأخذوا قصبة يذرعونها فكانت سودة أطولهن يدا فعلمنا بعد أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به زينب وكانت تحب الصدقة.
في السنة العشرين من الهجرة، ودّعت السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها الدنيا، وكانت أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لحوقًا به، كما بشّرها بذلك الوحي الكريم. عُرفت رضي الله عنها بورعها وسخائها، فكانت تنسج بيديها وتبيع، وتنفق ما تكسبه على الفقراء والمحتاجين، دون أن تُبقي لنفسها شيئًا. وكانت تُخرج ما يصلها من بيت المال للمساكين وأقاربها، لا تردُّ سائلًا، ولا تغلق بابًا. شهدت لها عائشة رضي الله عنها بقولها: «وَلَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، أَتْقَى لِلَّهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ»
كانت وليمة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب رضي الله عنها من أعظم الولائم التي شهدها المسلمون، اجتمع فيها الصحابة وتجلّت فيها كرامة بيت النبوة.
ونزل بسبب هذا الحدث الجليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ...} [الأحزاب: 53] فكانت هذه الآية درسًا بليغًا في الأدب، تُعلّم المسلمين ألا يدخلوا البيوت إلا بإذن، وألا يمكثوا بعد الطعام للحديث.
