سارت تلك القافلة الصغيرة نحو المدينة: أمٌّ وابنُها وخادمتُهما. كانت الرحلة مفعمةً بالحنين؛ فقد قصدوا زيارة قبر الزوج الراحل الذي انطفأت حياته، وكان من عادتهم في هذه الرحلة السنوية أن يلتقوا بأقاربهم من بني النجّار. غير أنّ القدر تدخّل في طريق العودة؛ فعند الأبواء اشتدّ المرض على الأم آمنة، فلحقت بربّها هناك.
وقفت الخادمة أمّ أيمن بجانب الطفل، تكتم دموعَها، وتُمسك بيدي ذلك الصغير الذي لم يتجاوز السادسة من عمره، عائدةً به إلى مكة؛ لتكون له أمًّا بديلة بعد فقد أمّه.
كان النبي ﷺ ينادي خادمته الحبيبة: «يا أُمّاه». وقد أعتقها فيما بعد، وكانت من أوائل من دخلوا الإسلام مع السيدة خديجة وعليّ رضي الله عنهما. ولمّا اشتدّ أذى المشركين هاجرت مع من هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
كانت حياتها مليئةً بالابتلاءات؛ فقد تُوفّي زوجها الأول مبكّرًا، واستُشهد أبناؤها في ميادين القتال، فاستُشهد ابنها أيمن في حُنين، واستُشهد زوجها زيد بن حارثة في مؤتة. ومع ذلك لبست درع الصبر، وعاشت مطمئنةً برجاء ما عند الله، تُقدّم أبناءها في سبيل الحقّ، وكان اسمها الحقيقي بركة بنت ثعلبة.
كانت مثالًا للخُلق الكريم؛ فلمّا تُوفي زوجُها قال رسول الله ﷺ: من أحبّ أن يتزوّج امرأةً من أهل الجنّة فليتزوّج أمَّ أيمن .وقد أكرمها النبي ﷺ إكرام الابن لأمّه، إذ كانت له بمنزلة الأمّ بعد رحيل والدته.
وبعد وفاة الرسول ﷺ قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: هلمّ بنا نزور أمَّ أيمن كما كان رسول الله يزورها.
فلمّا وصلا إليها انفجرت بالبكاء. فقالا لها: ما يبكيكِ؟ أما تعلمين أنّ ما عند الله خيرٌ لرسول الله؟
فقالت وهي تبكي: ما أبكي لجهلي بذلك، ولكن أبكي لانقطاع الوحي من السماء. فبكى أبو بكر وعمر معها تأثرًا بكلماتها.
