راح ميسرة يروي ما حدث في الرحلة، وفي عيني خديجة رضي الله عنها بريق دهشة، لأنها ترى بأمّ عينيها مشهد بعض منها... عاد محمد صلى الله عليه وسلم من رحلته التجارية لا كتاجر عادي، بل كرمز للبركة وقائد للنجاح، فقد حقق ربحًا لم تعرفه قوافل مكة من قبل. وبعد أن عبر الركب وادي "عُسفان"، وبدت ملامح مكة تلوح من بعيد، نزلوا بوادي "فاطمة"، وهناك اختار ميسرة أن يتنحّى جانبًا، تاركًا لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يزفّ البشرى لخديجة بنفسه.
فتقدّم صلى الله عليه وسلم فوق ناقته الحمراء، وكأنّ الطريق يُفرش له ضياءً. ومن علٍ، كانت خديجة ورفيقاتها يُتابعن المشهد بدهشة، وقد أذهلهنّ ما رأين، فليس هذا بمشهدٍ يُنسى.
بدأ ميسرة يروي كمن أُعطي ألسنة مئة راوية.... "الغيم لم يفارق محمدًا صلى الله عليه وسلم، كأنه ظلٌ من السماء، يرافقه حيث سار، ويظلله كأنّ الشمس لا تجرؤ أن تمسه. وحتى الإبل المرهقة، ما إن مشت معه، دبّ فيها النشاط كأنها تقتبس الحياة من نوره، هكذا عدة معجزات...."
وصلنا إلى مدينة بُصورَاء في سوريا، وكان محمد صلى الله عليه وسلم جالسًا بهدوء تحت شجرة، وكأنّ الجمال يحيط به من كل جانب. اقترب مني صديقي نسطور، وسألني: "من هذا الذي يجلس هناك؟"
أجبت: "إنه من قريش، يعيش في مكة."
فأخبر مبهورًا: "إنه النبي الخاتم، لا شكّ في ذلك... رأيت في عينيه الحمرة الموصوفة، وتبعته ظلال الغيم، إنها العلامات التي كُتبت في الكتب."
وبعد أن أخذ مني ما استطاع من خبر، مضى نحو محمد صلى الله عليه وسلم بخطى مملوءة يقينًا، وعينين تلمعان.
قال نسطور : "أخبرنا العلماء أن النبي الخاتم سيجلس تحت هذه الشجرة، وها أنا أرى فيك كل العلامات. والله، لو كنت في زمن بعثتك لاتّبعتك. وإن لم يكن في الأمر مشقّة، فهل تسمح لي أن أرى موضع ظهرك؟"
فكشف النبي عن كتفه، فلما رأى خاتم النبوة، ارتجف قلبه وقال بإيمانٍ صادق: "أشهد أنك رسول الله حقًا، لا شك فيك ولا في ما تأتي به."
كلّما روى ميسرة من مشاهد الرحلة، زادت الطمأنينة في قلب خديجة، وكأن كلماته تسقي يقينها من نبعٍ صافٍ. وكلّ ما تسمعه يزيدها إيمانًا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من الرجال.
وفي ختام الرحلة، أكرمته صلى الله عليه وسلم بهدايا ثمينة، من خيار الإبل وأجمل العطايا.
ما أبهى خَلقه، وما أزكى خُلقه..! رجلٌ تتغنّى بفضله مكة، ويتطلّع إليه كل قلبٍ ليكون زوجا، هل يمكن أن أتزوجه. رغم بُعد الاحتمال، هل هذا محال....؟ هكذا مضت خديجة في الفكرة.
استدعت خديجة رضي الله عنها صديقتها الوفية نفيسة بنت منية، وبثّت سرّ قلبها، وأخبرت برغبتها.
اقتربت نفيسة من النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: "لِمَ لا تفكر في الزواج؟" فأجاب: "لا أملك من المال ما يكفيه." فقالت: "وماذا لو تقدّمت إليك امرأةٌ ذات حسب وفضل، لا تريد مالًا، وإنما أعجبت بصدقك ونبلك؟" فسأل: "ومن تكون؟" قالت: "خديجة بنت خويلد." قال بدهشة: "وهل يكون ذلك؟" فأجابت بثقة: "دع الأمر لي."
لما علمت خديجة رضي الله عنها بموافقة النبي صلى الله عليه وسلم، أشرق وجهها فرحًا، وأخبرت أبا طالب بالأمر. فذهل في البداية، مستغربًا أن تطلب سيدة قريش محمدًا زوجًا، ثم تذكّر صدقه وشرفه ومكانته، فقال راضيًا: "هو لها كفء..."
قالت السيدة خديجة رضي الله عنها لأبي طالب: "تحدث مع ابن عمك بشأن هذا الزواج."
هكذا تمّ الزواج بينهما في أجواء من الفرح والسرور. وكان النبي ابن خمسة وعشرين، بينما كانت السيدة خديجة في الأربعين.
وكانت هي الوجة اللائقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نسبًا وشرفًا وفضلًا. اجتمع فيها النسب الطاهر والخُلق النبيل، فكان زواجها تتويجًا للصفاء والوفاء. هكذا اجتمع النوران في بيت واحد، وبارك الله بها هذه الأمة.
