أدرك أبو لهب المكيدة التي دبرها قريش، فاشتعل قلبه بالحقد على محمد صلى الله عليه وسلم. وعندما سنحت له الفرصة، است كالغريق. وكان ابناه، عتبة وعتيبة، قد تزوجا من ابنتي النبي، رقية وأم كلثوم. فدفعهما إلى تطليقهما كجزء من انتقامه، مضيفًا عبئًا ثقيلا على قلبه الشريف، لكن وقع الأمر رأسا على عقبه لأنه جلب الراحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته خديجة رضي الله عنها، فخرجتا من دائرة الظلم والعدوان.
بعد ذلك، أظهر عثمان بن عفان رغبته في تزويج رقيّة بنت رسول الله، فكانت شريكةَ عمره، وسكينةَ قلبه. جمعت بين رقّة الحياء ونضج الإيمان، فانسجم قلباهما في بيت طاهر، أضاءه الحب. هكذا انطلقت حياة أسرية متجذرة في المحبة.
فهل ينسى من يروي الهجرة السيدةَ رقيّة؟ ركبت السفينة إلى الحبشة مع زوجها فرارًا من الاضطهاد، وهي تحمل جنينًا في أحشائها. وفي رحلة قاسية عصفت بها الرياح وتكاثفت المصاعب، أجهضت، لكنها واصلت الطريق بثبات، تتكئ على صبرٍ كالجبال.
بعد أيام، بلغ إليها أن البلاء في مكة قد انحسر، فاشتاقت إلى لقاء والدٍ وأمٍّ وأخواتٍ طال بينهن الفِراق، فعادت إلى مكة مع المؤمنين. واستقبلتها فاطمة وأم كلثوم بعناقٍ حارّ، لكن فرحتها انكسرت في غياب خديجة، وضمدت الأخوات وجعها بحب خالص. على خلاف ما تمنت، لم تهدأ مكّة، بل ازدادت القلوب قسوة، وتضاعف الأذى، حتى صار اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم غاية يسعى لها الكفار.
ولما هاجر الأب الكريم إلى المدينة، أعدّت رقيّة نفسها لهجرةٍ أخرى إلى المدينة. وفيها، أشرقت بشارة في بيت عثمان ورقيّة بميلاد عبد الله، فكان فرحةً تملأ القلب...
بينما كان جيش بدر يستعد لكتابة فجر النصر،ي كانت رقيّة رضي الله عنها تخوض معركة المرض، في رعاية زوجها عثمان رضي الله عنه، الذي بقي إلى جوارها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، يواسيها بحبٍّ ووفاءٍ حتى اللحظة الأخيرة.. ولم تلبث الساعات أن تمضي، حتى نطقت رقيّة بالشهادتين: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله". ارتجف قلب عثمان، واهتز وجدانه، فقد ودّع رفيقة دربه بصمتٍ موجع، ودمعٍ لا يُجفّف.لم يكن في المدينة إلا قلة من الرجال، تولّوا تجهيز القبر، وغسلوها، وكفّنوها، وأدّوا ما يلزم من وداع. انهمرت دموع عثمان رضي الله عنه وهو يودّع رقيّة، وفي الأثناء كانت أنباء نصر بدر تتردد في الأرجاء، غير أن رقيّة كانت قد سبقت إلى لقاء ربّها. تألّم النبي صلى الله عليه وسلم لفقد ابنته التي ذاقت مرارة الهجرة وتحمّلت عبء التضحية، فسار مع الأطفال نحو القبر، وعندما وصل، كانت فاطمة رضي الله عنها قد انهارت من شدة الحزن، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم بجانب القبر، يدعو لها، والأرض تفيض برائحة المسك الطاهرة.
