كان منذرٌ عائدًا إلى وطنه من العراق، يحمل الهدايا والحقائب، وقلبُه يضجّ شوقًا للقاء أحبّته. ومع ذلك ظلّ سؤال يقلقه: ماذا يقدّم لأمّه العزيزة؟ لم يهتدِ إلى جواب، ثم عزم أخيرًا على شراء ثوبٍ لها. ففي العراق نوعٌ خاصّ من الأقمشة، رقيقٌ نفيسٌ مرتفع الثمن، وظنّ أنّ أمّه ستُسرّ به
فرحت الأسرةُ بعودته، وقدّم منذرٌ الثوب إلى أمّه. كانت قد فقدت بصرها، فمرّرتْ يديها على القماش تتحسّسه، ثم بدا التغيّر على وجهها. قالَت له بحزمٍ هادئ: خُذ هذا وارجعه. تعجّب الابن وقال: «يا أمّاه، إنّه ثوب لا يُظهر لونَ الجسد. فأجابته: صحيح أنّه لا يُظهر اللون، لكنه يُبرز تفاصيل الجسد؛ فهو رقيق لا يصلح.
فخرج منذر واشترى ثوبًا آخر أثخن وأغلى، فأُعجبت به الأم وقالت: هكذا ينبغي أن تكون ثياب النساء يا بُنيّ.
كانت تلك الأمّ هي أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها زوجة الزبير، وأمّ البطلين منذر وعبد الله، مثالًا في الإيمان والثبات. وقد تقدّم بها العمر، لكنّها لم تفترّ عن العبادة؛ ليلَها ونهارَها في ذكرٍ وقراءة قرآن، حتى صارت تحتاج مَن يُعينها على الركوع والسجود، أو يذكّرها بهما، ومع ذلك لم ينقطع دأبها. وسار أبناؤها على نهجها.
وفي تلك الأيام كان أهل الحجاز يعانون من قسوة حكم يزيدَ بن أبي سفيان. وبعد موته بايع الناس ابنَها عبد الله بن الزبير خليفةً، بينما امتنعته مصر والشام، ثم تولّى عبد الملك الحكمَ وبسط نفوذَه حتى استولى على العراق، ولم يبقَ لعبد الله إلا الحجاز.
كانت الأمّ ملجأه في كلّ أمر، حتّى في هذه المحنة. أحسّت بما يعتمل في نفسه فقالت: يا بُنيّ، حدّثني ما الخبر؟
قال: أرسل الحجّاج جيشًا لمحاصرة مكة، وقد اشتدّ الحصار أشهرًا، ونفد الماء والطعام، وانضمّ كثير من الناس إليه، ولم يبقَ إلا القليل. قالت: وما مطلبهم؟ قال: أن أتنازل عن الحكم وأُقرّ حكمَ عبد الملك بن مروان.
فقالت بثبات: يا بنيّ، اثبت على الحقّ، ولا تستسلم للظالمين. إنّ أصحابك الذين ثبتوا على طريق النور مضوا إلى ربّهم شهداء، وطريقُهم طريقنا. لم تغتصب الحكم، بل قمتَ بخدمة الناس بالعدل، ومن يريد إسقاط ذلك هم المعتدون. فاصبر وقاتل، وارضَ بالموت في سبيل الحق. ملأت كلماتها قلبه سكينةً وعزمًا، فمضى ثابتًا، وقاتل حتّى قُتل دون أن يستسلم، كما أرادت له أمّه.
وعلى الرغم من لوعة الفقد، كانت الأمّ تعتزّ بابنها. حاول الحجّاج بن يوسف أن يؤذيها بكلماته فقال: كيف رأيتِني صنعتُ بعدوّ الله؟ يعني عن قتله عبدَ الله بن الزبير ابنَها. فأجابته كلماتها التي خلّدها التاريخ: أفسدتَ على ابني دنياه، وأفسدتَ على نفسك آخرتَك. وقد أخبرنا رسول الله ﷺ أنّ في ثقيف كذّابًا ومبيرًا، فأمّا الكذّاب فقد رأيناه، وأمّا المبير فأحسبك أنت.
رأيتُكَ أفسدتَ عليه دنياه وأفسدَ عليكَ آخرتَك. أمَا إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حدّثنا أنّ في ثقيف كذّابا ومُبيرا فأمّا الكذّاب فرأيناه، وأمّا المبيرُ فلا إخالكَ إلا إيّاه. فلمّا سمعه الحجاج قام عنها ولم يراجعها.
