اندفع الخصومُ ذات يوم بسلاحهم يريدون النيْلَ من رسول الله ﷺ، وكانت صفية بنت عبد المطلب - عمّة النبي صلى الله عليه وسلم، وابنة عبد المطلب - تراقب المشهدَ بعينٍ ثابتة. عُرفتْ برجاحة العقلِ وصلابةِ الرأي ورباطة الجأش، فلم تتردّد حين اشتدّ الخطرُ، بل همّتْ أن تواجه المهاجمين برُمحها.
وفي تلك اللحظات كان رسول الله ﷺ مشغولَ القلب؛ فقد كان أخوها حمزة بن عبد المطلب صريعًا في ساحة المعركة، وقد مُثّل بجثمانه تمثيلًا شنيعًا. خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن تقع صفيّة على هذا المنظر المفجِع، فاستدعى ابنَها الزبير وكلّفه أن يصرفها.
أسرع الزبير إليها قائلًا: يا أمّاه، تنحّي عن هذا الطريق، لا تقتربي.
قالت بحزم: دعني، لا تمنعني.
قال: إنّ رسولَ الله يأمركِ بالرجوع.
فأجابت بثبات: لقد علمتُ بما صنعوا بأخِي، وأعلمُ أنّه قُتل في سبيل الله. فلما رأى النبيّ ﷺ صِدق عزمِها، قال: دعها يا زبير.
تقدمتْ صفيّة حتّى وقفت على جسد حمزة، وقد شُقّ بطنُه ومُثّل بوجهِه وقُطعت أذناه وأنفُه. منظرٌ يهزّ القلوب، لكنّها لم تنهَر، ولم تصرخ، بل تماسكت، ودعت لأخيها قائلة: هذا في سبيل الله، وأنا راضيةٌ بقضائه، محتسبةٌ أجري عنده.
ومن مواقفها التي خلّدت شجاعتها ما وقع في غزوة الخندق؛ إذ جعل النبيُّ ﷺ النساءَ والأطفال في حصنٍ آمن، وخرج للقتال. وبينما كانت صفيّة تراقب، أبصرتْ رجلًا يطوف حول الحصن يتحسّس الأخبار، وكان جاسوسًا يهوديا من بني قريظة، يريد التأكّد من خلوّه من الرجال.
أدركتْ خطورة الأمر؛ فلو علم العدوّ بذلك لانقضَّ على الحصن. شدّت ثيابها، واعتمرت، وحملت عمودًا من حديد، ثم خرجت خُفيةً. اقتربتْ من الرجل وضربتْه ضربةً قاضية، ثم عاودته حتى قضت عليه، فقُطعت رأسه وألقته من أعلى الحصن. فلما رأى أصحابُه الرأس أدركوا أنّ الحصن محروس، فانصرفوا.
وظلت صفيّة مثالًا للثبات حتى توفيت سنة 20 للهجرة، وقد جاوزت السبعين من عمرها، بعد حياةٍ حفلت بالشجاعة والإيمان.
