كان عُقبة بن أبي مُعيط سيّدًا في بني أميّة، عُرف بعداوته الشديدة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين. ومن شدّة أذاه أنّه حاول يومًا أن يضع سَلا الجزور على رأس النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، وحاول مرةً أخرى خنقَه. وكانت ابنته أمّ كلثوم شاهدةً صامتةً على قسوة أبيها.
غير أنّ هذه الفتاةَ أدهشتِ الجميعَ حين أعلنت - في جرأة نادرة - إيمانَها بالحقّ. لم تجد في أهلها من يسمع لها، فكان نصيبَها الضربُ والتجويع والمقاطعة، لكنّها صبرت، متشبثةً بسكينة الإيمان. هاجر المؤمنون إلى المدينة، وبقيت هي رهنَ الإقامة الجبرية في بيتها، تتطلع إلى الخلاص، وتنتظر الفرج ليلًا ونهارًا.
وأخيرًا استطاعت أن تفلتَ من أعين المراقبين، فانطلقت وحدها نحو المدينة. لم يكن معها مُعين، حتى قيّض الله لها رجلًا من خزاعة أعانها حتى بلغت مقصدَها بعد رحلةٍ شاقة. وكان بين قريش والمسلمين يومئذٍ صلح الحديبية، ومن شروطه إعادة من قدم المدينة مسلمًا إلى قريش.
وصل أخواها يطلبان ردَّها، فدخلت أمُّ كلثوم على رسول الله ﷺ وقلبُها يغلي ألمًا، وقالت: ما جاء إخوتي شفقةً عليّ، وإنّما ليعيدوني إلى العذاب. يا رسول الله، أنا امرأة، وأنت تعلم ما يلقاه الضعفاء إذا وقعوا في أيدي أعدائهم؛ فلا تردّني إليهم.
فنزل الوحي بقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ ﴾ ( سورة الممتحنة) فحمدتِ الله شكرًا على النجاة.
عاشت أمّ كلثوم بعد ذلك حياةً هادئة في المدينة، ثم تزوجت زيد بن حارثة- مولى رسول الله ﷺ - غير عابئةٍ بفوارق النسب أو جاه القبيلة؛ فما كانت ترى الكرامة إلّا في القرب من رسول الله ﷺ وصلاح الدين. فعاشت معه حياةً طيبة، وكانت من النساء المتعلّمات، روت عن النبي ﷺ عشرة أحاديث.
