انسابت كلمات العالِم اليهودي إلى قلب خديجة كما ينساب النسيم العذب في صباحٍ ساكن، طُبِعت في وجدانها كنبوءة لا تُنسى.... يومٌ بهيج في مكة، احتفلت فيه قريش بفرحٍ، والنساء في زينتهن، والضحكات تتعالى في كل ركن. بينما هن كذلك، جاء يهودي وقال : "يا معشر نساء قريش إنه يوشك فيكن نبي فأيّكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل."
قبل فراغه من القول، سَخِرت بعضهنّ وطردنه، لكن كلماته استقرّت في قلب خديجة وظلّت تتموّج: من هو هذا النبي القادم؟ ومن هي زوجته؟.
ولما سمعت رضي الله عنها قصص ميسرة المذهلة عن محمد، هبّت في ذاكرتها كلمات العالِم اليهودي. أهذا هو النبي الموعود؟ وهل أكون زوجته؟ ولتتيقّن، لجأت إلى الحكيم العارف، ورقة بن نوفل.
ما إن سمع تلك الأخبار، قال: "يا خديجة، قد آن أوان الموعود، ومحمد هو خاتم الأنبياء." ومنذئذ، ظلّ ورقة يحدّثها عن النبوة المنتظرة، ويخبرها من علمه وشعره ما يثبّت قلبها. من خلالها تقدّمت خديجة نحو خِطبة محمد صلى الله عليه وسلم. ومن لا يشتاق أن يكون تلك الموفقة التي بشّر بها العالِم اليهودي....!
كانت خديجة رضي الله عنها، شريفة النسب، عاقلة ثرية، تفيض جمالًا ووقارًا. وُلدت في قبيلة أسد من قريش، وينتهي نسبها إلى قصي، الجدّ الخامس للنبي، وأمها فاطمة من نسل لؤي، الجدّ التاسع له صلى الله عليه وسلم. يلتقي نسبها بنسب النبي صلى عليه وسلم في الجدّ الثالث، فهي من نسل عبد مناف من جهة والدتها هالة. نشأت في بيت جدّها عبد العزى، على بُعد تسعة أذرع من الكعبة، ثم انتقلت إلى "أجياد"، عند جبل خلع، ومن هنا تم زواجها الأول.
كان زوجها هِنْد بن النبّاش، أبو هالة، فرُزقت منه بولدين، لكنه مات شابًا. ثم تزوّجت عتيق بن عابد المخزومي، فولدت منه هند، لكن قبل مضي السنوات مات هو أيضا.
تربى هند، الابن الأكبر للسيدة خديجة رضي الله عنها، في كنفها، ثم حظي بشرف التتلمذ من النبي صلى الله عليه وسلم. ونقل أوصافه الشريفة إلى الأجيال التالية، حتى كان أحفاد النبي يفدون إليه في هذا الأمر. واستشهد في معركة الجمل. وتزوجت هند، بنت خديجة، صفوان بن أمية، فرُزقا بمحمد. ومن نسله عُرفت ذرية خديجة باسم "بنو طاهر".
بعد وفاة عتيق، توافد الخُطّاب إلى خديجة رضي الله عنها، لكنها صدّتهم جميعًا، وكأن قلبها ينتظر من لا تعلم. حتى اصطفاها الله لتكون زوجة خير البشر. وكانت تسكن في جوار الكعبة، لذا تعرف النبي جيدا. فلما تم الزواج، غمرت الفرحة مكة، وردّد الناس: "الزوجة المكافأة".
في الجاهلية، لُقبت خديجة بـ"الطاهرة"، فكانت نورًا في زمن الظلمة. لم تغرّها الثروة، بل أدارت تجارتها بأمانة وعدل. أحبها قومها، فكانت قدوةً للنساء، حتى خُلّدت في التاريخ بلقب: "سيدة نساء قريش".
استعدت لبداية حياة جديدة مع النبي، يملؤها السرور، لكن قلبها لم يخلُ من غيوم. إن صدقت فراستي، فزوجي نبيٌّ قادم، فهل أقدر أن أكون له ظلًّا ودفئًا؟ هل أحمل على الابتلاء المقبلة؟. هكذا فكرت خديجة رضي الله عنها. لكن أجاب التاريخ عن هذا القلق
ولم يكن لقاؤهما زواجًا فحسب، بل مفتاحًا لباب يهتدي به الأزواج. وفي سيرتهما تنكشف الإجابة: كيف يكون الزوج صالحًا؟ وكيف تكون الزوجة مثالية؟ ومن أراد الأكثر، فليقرأ قصتهما.
