اشتعلت مكة بنار الحصار، وتحوّلت حياة خديجة رضي الله عنها من وفرة الغنى إلى ضيق الفقر. قدّمت مالها لقلب أحبّته، وسارت بثبات في طريق الدعوة، لا تضعف ولا تتراجع. وصدقت نبوءة ورقة بن نوفل؛ فلم ترحب قريش برسول رب العالمين، بل طاردوه بالحجارة والأذى.
وبينما كان البعض يهتدي بنور الحق، لا تزال قريش تشدّد الظلم، وتمنع الطعام والتجارة، لكن خديجة ظلّت عمادا لا يزول. هاجرت طائفة من المسلمين إلى الحبشة، بعد أن ضاقت بهم مكة، فاستقبلهم الملك النجاشي بكلا يديه، ومنحهم الأمان. وفي مكة، بدأت أنوار الإسلام تتسلّل إلى القلوب شيئًا فشيئًا، فتزلزلت القبائل أمامها. حينها، خطّطت لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. لكن بنو هاشم وبنو المطلب، رغم اختلاف بعضهم في الدين، انتصروا للدم والقرابة. هكذا تشكلت فكرة الحصار.
لما عجز الكفار عن قبض النبي صلى الله عليه وسلم عبر بني عبد مناف وأبي طالب، لم يبقَ أمامهم سوى سلاح الحصار. فأعلنت قريش مقاطعة جائرة على بني هاشم وبني المطلب، قاطعة عنهم البيع والشراء، والنكاح والمواساة، حتى يُسلّموا النبي صلى الله عليه وسلم للقتل. ودوّنوا ذلك في وثيقة ظالمة، وعلّقوها داخل الكعبة.
سارت أم المؤمنين إلى شِعب أبي طالب، حيث لا زاد للمؤمنين سوى أوراق الشجر وجرعات قليلة من الماء. كانوا يبلّون الجلود اليابسة ويأكلونها اتقاءً لألم الجوع، لكن الجوع كان أقسى، يُسقط بعضهم مغشيًا عليه من شدّته. ضيّق الكفار عليهم حتى خنقوا أنفاس الطعام، فلم يجدوا سوى ورق الأشجار، يمضغونه حتى تمزّقت أفواههم، وتحول برازهم إلى ما يشبه روث الماشية.
بينما هو كذلك، قرّر حكيم بن حزام أن يحمل بعض الطعام إلى عمّته خديجة رضي الله عنها، رغم حظر قريش الشديد. لكن أبا جهل تصدّى له، وهدّده إن مضى بطعامه. وشهد عليه الناس، فتدخّل عبد البختري معترضًا: "دَعوه، أيّ حق لكم أن تمنعوه من إطعام عمّته؟". واحتدم الموقف تصاعد الخلاف حتى تطوّر لعراك، فأصيب أبو جهل بعظم بعير، وكان حمزة رضي الله عنه شاهدًا على ذلك. وأعلن بعض من كانوا في الشعب ولاءهم لقريش، وانحرفوا إلى طريق اللات والعزى، قائلين: "كما تخلّى عن آلهتنا، نتخلّى عنه".
أنفقت خديجة رضي الله عنها مالها في سبيل الله، فودّعت الثراء، واقبلت الفقر، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ظلا ظليلا، فارتفع قدرها في الأرض والسماء. حتى بعد فتح مكة، ومع تدفّق الناس أفواجًا في دين الله، لم ينسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها، فكان يذكرها بين أصحابه دومًا.
ما أعظم الشرف الذي نالته خديجة رضي الله عنها! كانت أول من آوى الوحي، وسَكنت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت سلام جبريل، وبُشّرت ببيتٍ في الجنة. فكل من عرف قصتها، أحبّها ووقّرها، فها هي زوجة اختارها الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم.
في أواخر حياته، كان حبيبها صلى الله عليه وسلم إلى جانبها، يقدم لهم الحب والسكينة. وقال : "إنه قضاء الله الذي لا مفرّ منه، وكل عمل صالح تضاعف أجره، يقربنا إلى مقام عظيم عند الله". بإيمان راسخ، نظرت أم المؤمنين إلى لحظة وداعها، فغمرها الفرح الداخلي. واعدت المقبرة في الجنوح. وأدخلها يدا الشريفة إلى دار النعيم..
