كانت الأمّ تمضي في سفرٍ طويل بصحبة أطفالها، تعبر مشقّات الصحراء القاسية في طريقها إلى المدينة. لم يكن زوجها معها، غير أنّ البقاء في مكّة لم يعد ممكنًا. كان مستقبل أبنائها أعظم ما يشغل قلبها؛ أرادت لهم أن ينشؤوا في كنَف رسول الله ﷺ وتحت توجيهه. وكانت تخطو في الفلاة القاحلة، وقلبها معلّقٌ بمكة وذكرياتها.
يومَ خرج زوجُها العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم متوجّهًا إلى بدر، كانت في حيرةٍ موجعة؛ فهي في صفّ المشركين، أمّا قلبُها فكان مع الحقّ وأهلِه. لم تتمنَّ الإصابة بسوء، لا لرسول الله وأصحابه، ولا لزوجها الذي علمتْ أنّ قلبَه أيضا يميل إلى الإسلام وإن لم يعلن ذلك بعد.
وقبل رحيله همس في أذنها: خذي هذا المال وادفنيه حيث لا يراه أحد، فإن أصابني شيءٌ في الحرب فاقسميه بين أبنائي كذا وكذا. ثم مضى.
عاشت الأيامَ بعدها على جمر القلق؛ ماذا سيكون خبر بدرٍ؟ أعداءٌ يحيطون بها، ولو علموا بميل قلبها إلى المسلمين لَما رحموا أبناءَها. كانت تُحسن التكتّم، وتذكّر أبناءَها بالحذر، وتنتظر.
يوما، عاد أبو سفيان بن الحارث مسرعًا من ميدان القتال إلى مكة، فأقبل إليه أبو لهب يسأله: ما الخبر؟
قال - وهو لا يزال تحت وطأة الهلع- : ما إن بدأ القتال حتّى غلبُونا، ولم يكونوا وحدَهم؛ رأيتُ رجالًا عليهم ثيابٌ بيض يقاتلون معهم، لا يُقهَرون.
وكان أبو رافع حاضرًا – وكان ممّن كتم إسلامَه في أول الأمر خشية قريش -، وقلبُه مع رسول الله ﷺ، فلم يتمالك نفسُه وقال: هؤلاء الملائكة!
فثار أبو لهب غضبًا وضربَه. عندها لم تحتمل أمُّ الفضل بنت الحارث المشهدَ؛ فالتقطتْ عصًا كانت بيدها، وضربت أبا لهب على رأسه قائلة: أظننتَ أنّه وحدَه لأنّ سيّدَه غائب؟ فانفجر رأسُه دمًا، وازدادت مرارتَه هزيمةٌ في الحرب، وجرحٌ من يد امرأة.
ثم جاءت الأنباء بنصرٍللمسلمين، وسلامةٍ للعباس. لم يقع ما كانت تخشاه. وبعد ذلك بدأت هجرة المسلمين إلى المدينة، لكن العباسُ بقي في مكّة لبعض شأنه، فسارت هي بأبنائها حتى بلغت المدينة.
كانت تلك الأمّ الشُجاعة أمَّ الفضل لبابة بنت الحارث هي أخت أم المؤمنين ميمونة ، وخالة خالد بن الوليد ، وأخت أسماء بنت عميس لأمّها ؛ لم يثنها غياب الزوج ولا قسوة الطريق، بل حملت أبناءَها إلى حيث العلم والهداية. وكانت تدفعهم دائمًا إلى مجلس رسول الله ﷺ ليتربّوا على النور.
ومن بين أولئك الأبناء نشأ فتىً صار لاحقًا عَلمًا من أعلام الأمة: عبد الله بن عباس، ترجمان القرآن، وإمام العلماء. وكان ذلك ثمرة تضحية أمٍّ صبرتْ وبذلت، فأنبتتْ للأمّة عَلمًا خالدًا.
