كانت كلمات التهنئة التي قيلت يوم زفافها لا تزال ترنّ في قلبها كأنها تُنشد من جديد:
كوني كالكوكب الهادي طريقًا وعيشي ربيعًا في أنسٍ وسعادة يا خديجة.
حافظت السيدة خديجة رضي الله عنها ذلك العالَم المفعم بالمودّة في قلبها، وعاشت مع رسول الله ﷺ حياةً يغمرها الفرح، تتفتّح فيها أزهارٌ جديدة من الذرية، وتتوالى فيها أيام السرور والحزن معًا، فيتلقّيانها يدًا بيد. وقد أدركتْ قبل زواجها ما اتّسم به محمد ﷺ من مكارم الخصال وروائع الصفات.
كان النبي ﷺ يعتكف كلّ عام شهرًا في غار حراء متعبّدًا متفكّرًا، فإذا عاد أطعم من قصده من الناس. وكانت خديجة تعينه في خلواته تلك، فتزوّده بما يحتاج إليه من زاد، الأمر الذي زاد المحبّة بينهما عمقًا. وكان يحمل معه ما تيسّر من الطعام، فإذا ظنّت أنّ الزاد قد نفد، شدّت الرحال بنفسها إلى الغار، لا يثنيها تقدّم سنٍّ ولا وعثاء طريق، فتطأ صخور الجبل وتسلّق المرتقى الوعر لتبلّغ حبيبها القوت.
وكان جبل النّور يبعد عن بيتها نحو أربعة أميال، ويرتفع غار حراء قرابة ثمانمائة وسبعين مترًا عن الوادي. ومع ذلك كانت تصعد دون تبرّم، تبلغ حبيبها ﷺ وتخدمه، وقد تمكث أيامًا عنده ثم تعود. ولم يقع بينهما خصام أو جفوة، فقد كان رباط القلب بينهما عميقًا وثيقًا.
وفي أيام خلوته، كانت تجلس في بيتها تعدّ الليالي، شاخصةً بنظرها إلى جبل النور، كأنما ترى حبيبها بقلبها. وأحيانًا تتوجّه إليه بنفسها، فتقف طويلًا تتأمل من سفح الجبل دون أن تقتحم عليه خلوته. ولم تكن تنتظر طويلًا حتى يعود الأمين ﷺ، فيفتح لها قلبه بما مرّ به من خواطر، فتعدّ له الطعام وتأنس بحديثه.
وذات مرّة صعدت فلم تجده في موضعه، فداخلها القلق، وأخذت تبحث عنه، بل أرسلت من يعاونه في التفتيش، حتى وجدته منغمسًا في تأمّلاته الروحية في ناحية من الغار، فعادت الطمأنينة إلى نفسها.
لقد كانا مثالًا خالدًا للزوجين المتحابّين؛ كان ﷺ يقصّ عليها كل ما يمرّ به في حراء، وتبادله هي همومها وأفكارها، فإذا ألمّ به أمرٌ يقتضي التطمين، أظلّته بكلماتها الرقيقة. وأحيانًا كان يعود مبكرًا، لأنه تصدّق بطعامه على محتاج.
ومضت الأيام، وبدأت تجارب غامضة تتوالى عليه في حراء، فأقلقت خديجة، فعزمت على استشارة قريبها العالِم بالكتب السابقة ورقة بن نوفل. وقد قال لها النبي ﷺ مرةً واصفًا ما يجده: إنّي إذا خلوت وحدي أرى ضوءا وأسمع نداء: يا محمد أنا جبريل ، وقد والله خشيتُ أن يكون هذا أمرا … كأن تغيّرًا يحدث في نفسي.
فهدّأته قائلةً: معاذ الله! ما كان الله ليفعل ذلك بكَ ، إنّك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث. فغمرته بكلماتها كغلالةٍ من الطمأنينة.
وفي إحدى تلك المجالس حضر أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فلمّا سمع بما يجري أشار عليهما بمراجعة ورقة بن نوفل، لما له من علمٍ بالوحي والكتب. فانطلق مع النبي ﷺ إليه، وقصّ عليه خبر الغار، فلمّا سمع ذِكر جبريل تهلّل وجهه وقال: «سُبّوحٌ، سُبّوحٌ!» ، ثم بيّن لهم أنّ جبريل هو المَلَك الذي ينزل برسالات الله إلى أنبيائه، وأن لا موجب للخوف.
ومنذ ذلك الحين، كانت خديجة ترافق زوجها إلى ورقة كلّما عرض له أمرٌ جديد. وذات ليلة سمع النبي ﷺ سلامًا خفيًّا يحيّيه: السلام عليكم فظنها فجأة الجنّ، فعاد مسرعًا إلى بيته حتى دخل على خديجة، فسكّنته خديجة قائلةً: أبشر، فإن السلام خير، فلا تخشَ منه شيئًا. فصارت تلك الأحداث بداياتٍ مشرقة لمطلع النبوّة، تكتنفها المودّة والإيمان، وتظلّلها كلمات المواساة الصادقة.
