منذ ثلاثة أيام وهي ترى حلمًا يملأ القلب رهبةً وأملًا.
في اليوم الأول، رأت نفسها في وادٍ سحيق يلفّه ظلام دامس، تتخبّط بين العتمة والخوف. ومع مرور الوقت، لاح بصيص من النور يهديها الطريق السويّ، كأشعة الشمس التي تخترق الغيوم. وهناك، تجلّى لها وجهٌ مضيء كالبدر، فأدركت أنه محمدٌ صلى الله عليه وسلم. وأيقنت أنه يدعوها إلى الطريق المستقيم... إلى دين الإسلام، نور الحق واليقين.
في يوم آخر، رأت الأصنام منتصبة على جانبي الطريق. من اليمين، صنم يُدعى "هُبيل" يناديها إلى مسلكه، ومن اليسار، "إصاف" يجذبها إلى جهته. وفي منتصف الطريق، يقف النبي الكريم، بوجهٍ يفيض نورًا، يقول لها: "ادخلي هذا الطريق." ففهمت أن هذا الحلم نداء صادق للتخلّي عن عبادة الأصنام.
في الليلة الثالثة، وجدت نفسها واقفة على حافة جهنم، تتأرجح بين السقوط والنجاة. كانت أيدٍ كثيرة تحاول جذبها إلى الهاوية، وفي مقدمتهم "هُبيل" يصيح آمراً: "اسقطي فيها!"، وفي اللحظة الحاسمة، أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بطرف ثوبها بلطفٍ وحزم، مانعًا إياها من السقوط في الهاوية.
بوعيٍها التام بأن تلك الأحلام لم تكن عبثًا، بل نداء خفي إلى الحق... دخلت غرفة تملؤها الأصنام، يحمل قلبها عبء ماضٍ ثقيل بالعداء للنبي، وتتذكّر قسوتها على عمّه صلى الله عليه وسلم في أُحد، حين امتدّت يدها إلى جسدٍ طاهر لم ترحم حتى بعد استشهاه. أدركت حينها أن هذه الأصنام قادتها إلى الكراهية والضلال، وأنها عاشت عمرًا في وهمٍ وخداع. وفجأة، دوّى صوتها في المكان: "كم من الزمن عشتُ في خداعكم!"، ثم بدأت تحطّم الأصنام واحدًا تلو الآخر، حتى عانقت الإسلام بقلبٍ مطمئن ويقينٍ صادق.
في سجلّ العافين عن الناس، يظلّ مقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الذروة، لا يُدانيه أحد. ومن أعظم شواهد ذلك، عفوه الكريم عن هند بنت عتبة، التي لم تكتفِ بعداوتها، بل نكّلت بجسد عمّه حمزة الكرار رضي الله عنه بعد استشهاده، دون أن يُطالبها باعتذار أو يُحمّلها حسابًا، حتى قالت بقلب خاشع: "يا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أحبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أحبَّ إِلَيَّ أَنْ يعزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ.."
تلك الرحمة النبوية العظيمة أذابت القلوب القاسية، وحوّلت العداء إلى محبة، والكراهية إلى ولاء. فصار محمد صلى الله عليه وسلم أحبّ الناس إلى من عرفه، وقدوةً تخضع لها القلوب بإيمان ويقين.
كانت هند بنت عتبة رضي الله عنها امرأة قوية الإرادة، عاقلة فصيحة، كرّست حياتها بعد إسلامها لخدمة الدين، وشاركت مع زوجها أبي سفيان رضي الله عنه في معركة اليرموك، فأظهرت شجاعة وثباتًا. وتميّزت بفصاحتها وبراعتها الأدبية، وكان لها حضورٌ لافت في ميادين العلم والأدب. ومن نسلها جاء معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، الذي تولى الحكم لاحقًا.
ذات يومٍ في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مرّ بجوار دار أبي سفيان، فإذا بالماء يتدفّق من بيته إلى الطريق، يعوق المارّة، وكاد عمر أن يتعثّر. فالتفت إليه بلطف وقال: "لو حبست هذا الماء، لكان خيرًا لك وللناس." فتلقّى أبو سفيان الملاحظة بصدر رحب، صامتًا، هادئًا، لا جدال ولا تبرير. فتعجّب عمر من هذا التغيّر، وقال: "ما كنتَ كذلك في مكة، يا أبا سفيان! كنت سريع الغضب، شديد الرد، وها أنت اليوم تصغي في سكينة وتسلم." ثم قال: "الحمد لله الذي ساق إلينا هذا الموقف." وكانت هند رضي الله عنها تسمعها، فخرج صوتها: "صدقت يا عمر... ما أعظم ما قلت، وأحمد الله معك."
