أبو عمير، الولد الحنون لابن أم سليم وأبي طلحة رضي الله عنهما، يصارع المرض، وقد خيّم الحزن على البيت، وسكنت الوجوه سكينة ثقيلة ملؤها الألم، وامّحت الابتسامة التي طالما زيّنت حياتهم. كان الزوجان يحيطان ابنهما المريض بعناية قلبية، لا تفتر لحظة. وبينما هما على هذه الحال، جاء وقتٌ حرج اضطر فيه أبو طلحة للسفر لأمر لا بدّ منه، فتردد قلبه بين الواجب والأبوة. وهنا تجلّت عظمة أم سليم رضي الله عنها، فكانت جبلًا من الصبر، وبحرًا من الإيمان، فقالت له برقة وثبات: "لا تقلق، حاله أفضل الآن، سافر مطمئنًا وعد بإذن الله..."
من ذا الذي يستطيع أن يردّ قضاء الله إذا نزل؟ لقد اشتدّ المرض على أبي عمير،، حتى انتقل إلى رحمة الله، لكن أم سليم، رغم هذا الكسر العميق، تماسكت. تذكّرت وصية الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بالصبر عند أول صدمة، فربطت على قلبها، وكفكفت دمعها، وسكنت أنفاسها...
فإذًا دخل ابنه، أنس، وقد لاحظ السكون الغريب، فسأل والدته بصوتٍ يملؤه الرجاء:
"أمّاه، ما حال أبي عمير؟"
ابتسمت بحنوٍ حزين، وقالت: "هو بخير يا بني."
لكن أنس دقق النظر، ثم قال متوجسًا: "لكنّه لا يتحرّك، ولا يجيبني!"
وهنا خانها التجلّد، وارتعش صوتها وهي تهمس: "لقد عاد إلى رحمة ربه، يا بني..."
حين اختار الله لفلذة كبدها الرحيل، لم تُجزع أم سليم رضي الله عنها. أوصت أهلها وأقاربها بألا يُخبروا أبا طلحة بخبر وفاة ابنه عند عودته، رحمةً به، وانتظارًا للحظة أنسب يتهيأ فيها قلبه لتلقّي الخبر. وكان ذلك من فطنتها وعمق إدراكها، فأجمع المقرّبون على طاعتها، وهم يدركون قوة عقلها، وحكمة تصرفها، وصدق إيمانها. غسلت أم سليم ولدها، وضمّته إلى لباس الكفن. ثم وضعته في غرفة هادئة لا يدخلها أحد، ليس خوفًا من الفقد، بل حفاظًا على هدوء اللحظة القادمة. ثم أعدّت الطعام لزوجها العائد من سفره، تنتظره لا بحزنٍ يُبكي، بل بصبرٍ يُدهش، ورضا يليق بأهل الجنة...
عاد أبو طلحة رضي الله عنه متأخرًا، لا همَّ له إلا الاطمئنان على صغيره، فسأل بلهفة:
"كيف حال ابننا؟"
فأجابته أم سليم رضي الله عنها.
"هو في راحة..."
فتعجّب وقال: "لكنّي لا أسمع صوتًا، ولا حركة!"
فأجابت بنبرة هادئة تخفي عاصفة الوجع:
"إنه في طمأنينة أكثر من أي وقت مضى."
ولم تُطل في الكلام، بل قدّمت له الطعام وكأنها تهيئه لخبرٍ لا يُحتمل. وتوضأت وصلّت ركعتين، وبكت بين يدي ربّها دعاءً، تسأله القوة على تحمّل ألم الفقد، والصبر على فراق أبي عمير، وأن يربط على قلبها برباط الرضا والإيمان.
ثم ارتدت أجمل ثيابها، وتعطّرت بأطيب ما عندها، واقتربت من زوجها، تخفي في أعماقها عاصفة الحزن. نظر إليها أبو طلحة فانبهر بجمالها وهدوئها. جلست إلى جواره بلينٍ ومودّة، فأنس بها، وهدأت روحه، وغمرته لحظة صفاء ومحبّة. وفي ظل هذا، أغمض عينيه ونام مطمئنًا، لا يعلم أن خلف هذا السكون فجر فَقْدٍ.
ثم قَالتْ: يَا أَبَا طلْحةَ، أَرَأيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْماً أَعارُوا عارِيتهُمْ أَهْل بيْتٍ فَطَلبوا عاريَتَهُم، ألَهُمْ أَنْ يمْنَعُوهَا؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فاحتسِبْ ابْنَكَ. فغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تركتنِي حتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبرتِني بِابْني..
رغم أمواج الحزن التي اجتاحت قلبه، بدأ أبو طلحة رضي الله عنه يستعيد شيئًا من سكينته، لكن ما أثقل عليه ليس فقط فَقْد أبي عمير، بل كيف قضى ليلته في سكونٍ موهوم، دون أن يعلم بموت فلذة كبده. تسلّل إليه تأنيب الضمير، وتساءل في نفسه: أكان صوابًا ما جرى؟ أليس فيه إثم؟ لكن الإيمان انتصر، فقال بقلبٍ منكسر: "إنا لله وإنا إليه راجعون." ثم دفن ابنه. وانتظر حتى الفجر، فتوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصّ عليه ما كان، فتهلل وجه النبي وقال: "ما أعظم صبر أم سليم!" ثم رفع يديه وقال: "اللهم بارك لهما في ليلتهما." فكان دعاؤه بشارةً بأن خلف كل صبرٍ جزاء، وخلف كل فَقْدٍ عطاء...
