تشتاق أم سعد إلى القصص، وأيّ راوية أصدق من نسيبة بنت كعب، كم تحمل من الذكريات، وكم سطّرت من البطولات!. في المعارك، كانت درعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الخوف، كانت أمانًا. ليست حكاياتها مجرد ماضٍ، بل نبض شجاعة، ودروسًا حيّة تسري كالنور. وما أبهى أن تُروى القصص حين تكون زادًا للوعي وغراسًا للإيمان! وكانت السيدة نسيبة تقص الحكايات
"في ميدان أُحد، كانت النساء يسقين العطشى ويضمدن الجراح، يسرْن جنبًا بجنب مع الجيش... فحملنا القِرَب وخرجنا في الصباح الباكر لنشهد سير المعركة. في البداية، كانت زمام الحرب بأيدينا، حتى اقتربنا من موضع النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان الصحابة حوله. ولكن، كما تعلمون، تغيرت الأمور، تقدّم العدو، واستُشهد الكثير من المسلمين. فأخذنا السلاح وخرجنا إلى ساحة المعركة.
حينها، لاحظت أم سعد الجرح على كتف السيدة نُسيبة، فأجابتها: "هذا من يوم أحد، نتيجة طعنة من سيف ابن خُمَعة." تذكرت السيدة لحظات المواجهة، حين أحاط الأعداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، صارخين: "أرونا محمدًا، إذا نجا محمد، لن ننجو." تجمعنا حوله للحماية، وفي خضم الهجوم، تلقيت طعنة، لكننا استمررنا في القتال رغم كل شيء. وفي النهاية، انتصرنا، الحمد لله.
تلك لحظات لا تُنسى، وكل كلمة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد المعركة كانت شفاءً للقلوب. مشاركتنا أسعدت قلبه، فرفع يديه وقال: "اللهم اجعلهم من أهل الجنة." قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن نرافقك في الجنة. فقال: اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة". وما أبالي ما أصابني بعد ذلك في الدنيا..
استمر الزمن، وازدهر الإسلام، بالتزامن مع تحديات جديدة وأعداء كُثُر، وكان أبرزهم مسيلمة الكذاب. دعا النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام، وبعث رسالته إليه يدعوه إلى الإسلام، وكانت حاملة الرسالة ابنة نسيبة. لكن كانت ردّة فعل مسيلمة قاسية، حيث قتل حبيبة بوحشية. رغم ذلك، تحلت السيدة نُسيبة بالصبر، وترقبت لحظة الانتقام منه بكل عزيمة وثبات.
نقشت قتل مسيلمة في قلبها، حتى أطلّت ساعة اليمامة. قاد خالد بن الوليد رضي الله عنه الجيوش، وكانت هي وابنها عبد الله في الصفوف. اشتد القتال، ومسيلمة في الفخر والكبر. تسلّل خالد بدهاء، واخترق صفوف العداء، حتى تقوّض جمعهم. ولما ضاق عليهم الميدان، فرّ الكذاب وأعوانه إلى الحصن.
شقّ أحد الصحابة الطريق إلى الحصن ببسالة، فتدفّق المسلمون، من بينهم نُسيبة رضي الله عنها. احتدم القتال، وتعلّقت الأبصار بمسيلمة. وحين التقى السيف بيد عبد الله مع رمح وحشي رضي الله عنه، سقط الكذاب، وطُويت صفحة الفتنة. الحمد لله...
نالَت السيدة جزاءها الكريم بعد دروب الفداء والتضحية. في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصلت أثواب فاخرة من الروم، فقيل: "لمن تُهدى؟ لصفية زوج عبد الله بن عمر؟" فأجاب عمر بحسم: "بل لأحقّ الناس بها... نُسيبة، أمُّ أُحد."
