جاءت امرأةٌ يهوديّة إلى رسول الله ﷺ باكيةً تشكو حالها. كان اسمها جُويريّة، وقد قصدته وهو في بيت زوجتِه عائشة رضي الله عنها. وقف النبيّ صلى الله عليه وسلم يسمع أنينَها من خارج الدار، وكانت وراء قصّتها أحداثٌ جسام نشأتْ عن مكائد قومها.
كانت المدينةُ تعيش على أساس العهود والمواثيق بين طوائفها، غير أنّ بعض القبائل اليهودية نقضت العهد، وتحالفت مع قريش لاستئصال المسلمين. لكنّ الله ردّ كيدهم، وكانت تلك وقائع الخندق. وبعدها لم يهدأ الحارثُ بن أبي ضرار، فجمع مَن بقي من قومه بدافع الانتقام، وخرج بهم للمواجهة.
خرج النبي ﷺ بجيشه حتى نزلوا عند المريسيع، فاضطرّ القوم إلى القتال، وانتهت المعركة بهزيمتهم. تفرّق الرجال، وسُبيت النساء والأطفال، وكانت جويرية بنت الحارث- ابنة زعيم قومها - من بين الأسرى.
وكان من عادة ذلك الزمان أن يُفدى الأسرى بمالٍ يُدفع لتحريرهم. احتاجت جُويرية إلى قدرٍ من الذهب لتفتدي به نفسَها، لكنّها لم تستطع توفيرَه. جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب العونَ؛ فقد كانت بالأمس ابنة سيّدٍ مكرّمة الحارثِ بن أبي ضرار من بني المصطلق ، وأصبحت اليوم أسيرةً تطلب الحرّية.
لكنّ تقدير الله كان يحمل خيرًا أعظم. رأى النبيّ ﷺ أنّ تحريرها قد يفتح بابًا للرحمة أوسع، وهناك كثير من أسارى اليهود يطلبون السراح، وبإعتاقها يستطيع للجميع التحرّرُ من الرق والأسر. فقال لها: ألا أدلّكِ على خيرٍ من ذلك؟
قالت: وما هو؟
قال: أقضي عنكِ فداءَك، وأتزوّجكِ.
أشرق وجهُها فرحًا، كأنَّ من سأل زهرةً أُعطي ربيعًا كاملًا. لقد انتقلتْ من ضيق الأسر إلى شرف القرب من رسول الله ﷺ. فقالت في رضا: أنا موافق، لقد قبلتُ.
فلمّا علم المسلمون أنّ الأسرى صاروا أصهارًا لرسول الله ﷺ، أطلقوا سراحهم جميعًا. وهكذا كان زواجٌ واحد سببًا في تحرير قبيلة كاملة، وفتح بابًا من الرحمة بعد العداوة، فمالت قلوب كثيرة إلى الإسلام.
