أرسل معاوية بن أبي سفيان يومًا إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها هديةً مقدارها ثمانون ألف درهم. وصلت الأموال إلى بيتها، ولم يكن في البيت يومئذٍ ما يُفطر عليه، وكانت - كعادتها - صائمة، لا تلبس إلا ثوبًا بسيطًا قديمًا. ومع ذلك لم تُبقِ درهمًا واحدًا؛ بل أخذت توزّع المال على الفقراء والمحتاجين حتى نفد كلّه.
وكانت امرأةٌ تخدمها في البيت تراقب ما يجري بدهشة، فقالت: يا أمّ المؤمنين، لو أبقيتِ درهمًا واحدًا تُفطرين به، فتشترين به لحمًا!، فأجابت عائشة بهدوء: لو ذكّرتِني لفعلتُ.
لقد كانت أيّامٌ كثيرة تمرّ على بيتها ولا توقَد فيه نارٌ، وكانت تختار هذا العيش الزاهدَ عن رضًا وطمأنينة. ويروي الإمام مالك في الموطأ أنّ فقيرًا جاءها يسأل الصدقة وهي صائمة، ولم يكن في بيتها إلا رغيفٌ واحد، فأمرَتْ أن يُعطى له. فقالت الخادمة: ليس عندنا ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إيّاه.
كانت عائشة تُجسّد في حياتها مثال رسول الله ﷺ؛ لا تُغريها الأموالُ إذا أقبلت، بل تجعلها سبيلًا لإغاثة المحتاجين. بيتٌ صغيرٌ من لَبِنٍ وجريدٍ، مفروشٌ بحصيرٍ من ليف النخل، وأثاثٌ يسيرٌ لا يتجاوز الضرورة. ومع كونها قادرةً - لو شاءت - أن تعيش في رفاهية ونعيم، اختارت مع رسول الله ﷺ جمال البساطة، وزهد الدنيا، وراحة القلب.
وفي مرّةٍ شكت بعضُ أمّهات المؤمنين ما يجدنَه من ضيق العيش، رغبةً في شيءٍ من السعة، فنزل قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سورة الأحزاب). فلما تلا رسولُ الله ﷺ الآيات على عائشة، لم تتردّد، وقالت: بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وقد خيّر النبي ﷺ جميع زوجاته بين سعة الدنيا أو الصبر معه على شدّتها، فاخترن جميعًا الله ورسوله، وآثرن ما عنده على زخرف الحياة.
